الثوابت الأخلاقية والشرعية في التمويل الإسلامي/التجربة الأردنية (2-1)

تم نشره في الأحد 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 12:00 صباحاً

د.غسان الطالب*

عندما ظهرت فكرة تأسيس مصارف تعمل وفق أحكام الشريعة الإسلامية واتخذت من مبادئ هذه الشريعة فلسفة مصرفية تفرض عليها الالتزام الكامل بهذه الأحكام في عدم تقديم أي نوع من التمويل للمشاريع التي تخالف هذه الأحكام أو إنتاج أي سلعة محرمة أو تلك التي يمكن أن تلحق الضرر بالمجتمع، وعليه فإنها ملزمة بنهج السلوك الإسلامي، والمقصود هنا بالسلوك الالتزام بكل المعايير الأخلاقية التي وردت في الشريعة الإسلامية، وأقرها القرآن الكريم والسنة النبوية مثل عدم الاحتكار واستغلال حاجيات الناس وضروريات المجتمع، ونهى عن التبذير والإسراف وعدم حجب الزكاة التي هي بمثابة الضريبة الشرعية وما شابه ذلك.
وهنا تتجلى القيم الأخلاقية في الاقتصاد الإسلامي والتي تنعكس إيجابا على المجتمع أخلاقيا واجتماعيا واقتصاديا، وعليه، فإن أي نشاط استثماري للمصارف الإسلامية يجب أن يرتبط بالقيم الشرعية والأخلاقية مثل تحقيق مبدأ العدالة والصدق والأمانة والابتعاد عن كل ما هو مضر وذو أثر سلبي على المجتمع، بمعنى أي مشروع يتقدم بطلب تمويل من المصرف الإسلامي يُنظر لطلبه ضمن هذه الضوابط والمعايير قبل النظر إلى حجم العائد المتوقع الذي يمكن أن يحققه من هذا المشروع، وبما أن المصارف الإسلامية هي مؤسسات مالية تؤدي دورا مهما في التنمية الاقتصادية من خلال قدرتها على توفير التمويل اللازم الذي يساعد على تنفيذها، فإنها؛ أي المصارف، تنظر لأي مشروع اقتصادي من زاويتين؛ الأولى وهي الأهمية الاقتصادية لهذا المشروع، والثانية الأهمية الاجتماعية كذلك، ونعني بالأهمية الاقتصادية العائد الاقتصادي الذي يمكن أن يتحقق ضمن الضوابط الشرعية في تنمية رأس المال؛ حيث من المعلوم أن العائد هنا غير مضمون ومبني على عنصر المخاطرة على العكس من البنوك التقليدية حيث العائد على رأس المال مضمون من خلال سعر الفائدة المعلوم مسبقا عند طلب التمويل، وحتى يسهم المشروع في تحقيق تنمية اقتصادية يجب أن يحقق قيمة مضافة إلى الدخل القومي إضافة إلى كفاءة وحسن استغلال الموارد الاقتصادية المتاحة، وهذا بالنتيجة يؤدي إلى المساهمة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي المنشود.
أما الأهمية الاجتماعية فهي تتمثل في كون المصرف الإسلامي ليس مؤسسة هدفها تحقيق الربح فقط بل تسعى إلى تقديم خدمات اجتماعية من شأنها أن تعزز المناخ الاجتماعي السليم وتعمق القيم الأخلاقية مثل الصدق والأمانة في المعاملات وفق الضوابط الأخلاقية والشرعية والتي توظف القوة الكامنة في الإنسان نحو العملية الإنتاجية وبالنتيجة تسهم في زيادة دخل الفرد وزيادة الدخل القومي ومن ثم تقليل معدل البطالة؛ تلك الآفة التي تؤدي إلى العديد من المشاكل الاجتماعية وما إلى ذلك.
واليوم أمام الحاجة الاقتصادية التي تبرز لتقديم التمويل لمشاريع تنموية تسهم في تحريك عجلة الاقتصاد الوطني، فإنا نتوقف عند تجربتنا الأردنية والتي تمتد لما يقرب الأربعة عقود مع تأسيس أول مصرف وفق أحكام الشريعة الإسلامية، هو البنك الإسلامي الأردني، وما حققته هذه التجربة من نجاحات اقتصادية واجتماعية جديرة بأن تُدرس مفرداتها للاستفادة منها في الصناعة المصرفية الإسلامية بشكل عام وخاصة في تطبيق معايير التمويل الموجه إلى الاستثمار الجاد والملتزم في أولويات التنمية الاقتصادية الملتزمة بالثوابت الأخلاقية والشرعية ومساهمتها الفاعلة في دعم الدراسات والأبحاث العلمية التي أسهمت في تعزيز تجربتها المصرفية وتطويرها، هذا من جانب، ومن جانب آخر الحصة السوقية التي استحوذتها من السوق المصرفي الأردني في الزمن القياسي من عمرها والانسجام المرضي مع سياسات البنك المركزي الأردني.

* باحث في التمويل الإسلامي

التعليق