د.أحمد جميل عزم

الواقعية في أسوأ تجلياتها

تم نشره في الخميس 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 12:05 صباحاً

ما يعلنه دونالد ترامب الرئيس الأميركي المنتخب، من احتمال انسحاب بلاده من اتفاقية باريس العالمية للمناخ، التي وقعت العام الفائت، وإعلانه أنّه من "الجنون" قتال القوات السورية، و"داعش" في ذات الوقت، وأنّ هذا قد يؤدي لقتال مع روسيا، وتلميحه أنّه قد يوقف دعم المعارضة السورية "لأننا لا نعلم من هم"، هو الوجه الآخر لانسحاب روسيا من المحكمة الجنائية الدولية، أمس. وكل هذا هو اتجاه نحو النظرية الواقعية في العلاقات الدولية التي لا يهمها وقوع "الأيتام على موائد اللئام"، ولا تؤمن بالقانون الدولي.
عندما أطلق الرئيس الأميركي وودرو ويلسون بالتزامن مع الحرب العالمية الأولى، نظريته الليبرالية في العلاقات الدولية، على أساس مثلث يؤدي الالتزام به إلى السلام في العالم، تتكون أضلاعه من نشر الديمقراطية، لأنّ الديمقراطيين لا يميلون للحرب، وتطوير القانون الدولي، وهيئة للأمم (عصبة الأمم)، ونشر التجارة الحرة حتى لا تقع الحروب والخلافات الاستعمارية، بدا أن العالم مقبل على مرحلة تاريخية مختلفة.
عندما وقعت الحرب العالمية الثانية، خرج مفكرون غالبيتهم صهاينة أو يهود متعاطفون معها، من أمثال هانز مورغنتاو، ثم لاحقاً هنري كيسنجر، ليعلنوا أنّ الليبرالية وهم، وأنّ الواقعية تقتضي أولا، عدم الاكتراث بنوع النظام السياسي في الدول الأخرى، وعدم التدخل في شؤونها، إلا إذا كان هناك ما يهدد مصالح الدول التي يمكن أن تتدخل، وقالوا إنّ الاعتماد على القانون الدولي، والمنظمات الدولية، مجرد وهم، وإنّ الدولة تعتمد في حماية ذاتها على قوتها الذاتية، وتمتنع عن استخدام هذه القوة إلا للضرورة، وأحياناً للهيمنة، ولكن ليس لأسباب إنسانية، أو لنشر الديمقراطية.
عاش العالم منذ الأربعينيات وحتى مطلع التسعينيات نوعا من التسوية بين الليبرالية والواقعية، فجاءت الأمم المتحدة مزيجاً من الاثنتين، حيث العضوية الدائمة في مجلس الأمن اعتراف بقوة الدول العظمى والكبرى، ولكن الجمعية العامة بمثابة التصور الليبرالي لهيئة عالمية للسلام، وإن كانت بدون جيش أو أدوات لتنفيذ القانون الدولي، إلا إذا رغبت دول مجلس الأمن. ولكن بشكل عام تم التذرع بالشرعية الدولية طويلا، وتم السعي لتأسيس منظمات دولية، تجارية، واقتصادية، وإنسانية، وتعليمية، و...إلخ. تجسد سعي العالم للتوحد، ولا تلتزم تماماً بالواقعية التي لا تتحمس للقانون والمنظمات الدولية، وكان التفاؤل أنّ العالم يمضي للأمام في تطوير مجتمع دولي يحفظ السلم.
بعد العام 1991 وانهيار الاتحاد السوفياتي، قال كثير من المحللين الأميركيين، وحتى المفكرين الليبراليين، إنّ عصر اللحظة الأحادية الأميركية، قد جاء، وإنّ الولايات المتحدة ستكون القطب الأوحد، وتمارس دور الشرطي الدولي، وتكون بديلا للأمم المتحدة. وبدا هذا صادقا قليلا في الصومال، وكوسوفو، وهذا ما زعم الأميركيون فعله في الحرب على الإرهاب والعراق.
فشل الأميركيون في لعب دور الشرطي العالمي، أو حتى فرض سياساتهم في الصومال، والعراق، وأفغانستان، وكوريا الشمالية، وجزيرة القرم، وغيرها. ولكنهم منعوا إصلاح الأمم المتحدة، لتلائم عصر ما بعد الحرب الباردة، ومنعوا تطوير مجموعة العشرين لتكون قيادة العالم الاقتصادية. وفي العام 2011 عندما قبلت فلسطين في منظمة اليونسكو، أوقفت واشنطن دفع اشتراكها في المنظمة ما حرمها من بعض حقوق التصويت داخل المنظمة. وترددت إدارة باراك أوباما كثيرا في فرض حل في سورية، فضلا عن ترك الاسرائيليين وسياساتهم ضد الفلسطينيين دون أي متابعة. 
الآن مع الحديث عن تراجع محتمل عن اتفاقيات بيئة دولية، وتراجع إضافي في ملفات مثل سورية، وتراجعا روسيا عن اتفاقيات المحكمة الجنائية الدولية، (قد يكون ذلك تمهيدا لارتكاب فظائع أكبر في سورية)، فإنّ هذا يعني تراجعا عن تطوير القانون والمنظمات الدولية، وعدم الاكتراث بما يحدث في العالم إلا إذا مس بشكل مباشر مصالح الدولة المعنية.
هذا يعني التراجع للخلف، في تطوير المجتمع الدولي، ويعني أنّ قوى التحرر، والدول الصغيرة، وغيرها، يجب أن لا تعتمد على تدخل منظمات أو قانون دوليين، أو حتى اكتراث الدول الكبرى بخفض الصراعات، فالكل سيعتمد على نفسه فقط، وعلى أن يجد ما يغري طرفا قويا ما، بالتحالف معه. فمجلس الأمن بالنسبة لشخص مثل ترامب، هو نكتة غير جدية.

التعليق