شخوص بلا مؤسسات!

تم نشره في الأربعاء 14 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:06 صباحاً

المتتبع والمراقب للمؤسسات الحكومية وأجهزتها المختلفة بشكل عام، يكاد يجزم أن فيها خللا جسيما، إذا لم تتم السيطرة عليه بشتى الوسائل والطرق، وبتعاون الجميع، فإنها لا محالة في طريقها إلى مزيد من التراجع الخطير.
فهذه المؤسسات تعاني ليس من ترهل إداري وبطالة مقنعة فحسب، وإنما تفتقر أيضا، وبشهادة كثيرين، إلى كفاءات في مختلف أقسامها ومديرياتها، الأمر الذي سيؤدي بالتالي إلى عدم قدرتها على إنجاز المهام والواجبات التي وجدت من أجلها، مع ما يترتب على ذلك من تأثير سلبي على الوطن أولاً وأخيراً، وكذلك على المواطن نفسه.
فالمواطن الذي حصل على وظيفة بشق الأنفس، وبعد عدة أعوام من حصوله على الشهادة الجامعية الأولى (درجة البكالوريوس)، سيفقد الدافعية والإخلاص في عمله جراء ما يلمس ويرى من أن مناصب ووظائف قيادية تذهب إلى شخوص ليس عندهم ولو قدر بسيط من الكفاءة والقدرة على تحمل مهام المنصب الذي حصل عليه إما عن طريق واسطة أو محسوبية أو سواهما.
أضف إلى ذلك، أنه قد يقوم ذلك الشخص الذي حصل على منصب بغير وجه حق، بإزاحة موظف مجدّ ومبدع وناجح في عمله، لسبب نابع من حقد أو حسد أو غيرة، أو أي سبب آخر لا يمت للعمل بشيء.
في هذه الحالة، وما أكثرها في وطننا، يكون التساؤل: كيف سيمتلك ذلك الموظف أقل مقومات الانتماء إلى مؤسسته التي يعمل بها؟
وهنا تقع الطامة الكبرى؛ فالخاسر الأول والأخير هو الوطن. فالوطن عندما تصبح مؤسساته غير قادرة على النهوض به، يصبح عرضة للفتن والقلاقل والعنف والتطرف، ويصبح التغلغل سهلا وميسراً فيه من قبل دول خارجية أو منظمات إرهابية أو حتى عصابات إجرامية كتلك التي تمتهن تجارة المخدرات أو الاتجار بالبشر.
إن القضاء على الواسطة والمحسوبية والفقر والبطالة، وإحقاق الحقوق ورد المظالم ووضع الكفاءة في المكان المناسب، أسباب رئيسة وحقيقية لقيام أي دولة، وبالتالي المحافظة على كينونتها وديمومتها واستقرارها.
يجب أن نعترف بأن لدينا شخوصا داخل مؤسسات، ولا نملك مؤسسات بمعنى حقيقي، باستثناء مؤسسات القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية.
كما أن بعض الدول التي كنا نتباهى، قبل فترة من الزمن، بأننا نصدر إليها كفاءات وخبرات من مهندسين ومدرسين وأطباء وصيادلة وإعلاميين، تمتلك مؤسسات بمعنى مؤسسات دولة.
وحتى الدول المجاورة لنا والتي تشهد ويلات حروب ودمار، لديها مؤسسات قادرة على النهوض ببلدانها في وقت ما، فالجارة سورية التي تشهد منذ حوالي ستة أعوام أزمة وبداخلها منظمات إرهابية، لديها مؤسسات قادرة إذا ما وضعت الحرب أوزارها أن تنهض بدولتها في غضون أعوام، فرغم ما تعانيه هذه الدولة إلا أن السلع الأساسية كالقمح والخبز والأرز والسكر والمشتقات النفطية، متوفرة، صحيح قد تكون قليلة مقارنة بالفترة السابقة، لكنها بالنهاية موجودة وتكفي سكانها.
يحدثني أحد الأصدقاء بأن رئيس جامعة دمشق، وفي خضم الأزمة السورية، يبعث برسالة عتاب إلى الجامعة الأردنية فحواها عدم وصول أعداد المجلة البحثية التي تصدرها "الأردنية". تصوروا دولة واقعة في أتون حرب ويسأل أفرادها عن مجلة بحثية.
علينا أن نعترف بأن مؤسساتنا تعاني الأمرين، جراء ما تم تعبئتها به من موظفين حصل بعضهم على الوظيفة وهو ليس كفؤا لها. ونسبة كبيرة من أولئك الموظفين لا يتقنون الواجبات والمهام الموكولة إليهم في أقسامهم ومديرياتهم، وأن كانوا يتقنون فهم لا يخلصون في أدائها على أكمل وجه إما لضعف فيهم أو لأنهم لا يعرفون شيئا عن معنى الإخلاص والانتماء للوطن.

التعليق