د.أحمد جميل عزم

جدائل عمّان في مكتبة عبدالحميد شومان

تم نشره في الجمعة 16 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:07 صباحاً

حفزني مقال الزميل والصديق محمد أبو رمان عن مكتبة مؤسسة عبدالحميد شومان، بمناسبة مرور ثلاثين عاما على افتتاحها، أن أستعيد فضل هذه المكتبة. والواقع أني استعدت مشاهد وصورا منسوخة في الذاكرة للمكتبة. ولعل أعز أيامي مع المكتبة كانت عندما كانت في الشميساني؛ قبل انتقالها إلى موقعها الحالي في جبل عمان.
المكتبة عموماً هي تفتُّح الدهشات وبداية الاكتشاف ولذة أن تعرف شيئاً. والمكتبة ليست كتباً فحسب، بل لقاءات ومعارف وقصص.
في سنوات المدرسة، كانت مكاناً للقراءة والجلوس والدراسة؛ أُوغل في المجلات والصحف. لكن مع تفتح العقل السياسي في الجامعة، بدأت حصيلة مختلفة.
أتذكر البوابة إلى اليمين، أدخلها وأسير يساراً، لأرى القراء جالسين. وهناك طاولات منعزلة لشخص واحد لمن يريد أن يعمل وحيدا. ثم أنعطف يسارا ثانية، لأصل آخر الرفوف، حيث أذهب يميناً، لأجد كتاب "الفكر السياسي الفلسطيني" لفيصل الحوراني، فيشكل الكتاب النادر آنذاك، خياراتي السياسية لباقي عمري! أو بمعنى آخر أوجد لديّ قناعات واختيارات، حددت مسار حياة.
في مرة ثانية، أدخل أيضاً يساراً، بعد البوابة. وفي الطريق، أشاهد موقفا طريفا بريئاً، فتى مراهقا يتقدم بخجل من فتاة، ويقول لها: "ممكن أتعرف عليكِ؟". وترد الفتاة ببراءة كأنها لا تعرف، وفعلا لم تكن تفهم إعجاب الفتى، وتسأله: أنا؟. فتقول اسمها، ويقول اسمه، ويمد يده يصافحها وتصافحه، ويذهب خجلا. ووالد الفتاة كان على طاولة بعيدة، نظر للموقف وابتسم. وأكملت أنا طريقي للرف الذي حصلت منه على "الفكر السياسي الفلسطيني"، لأجد من دون قصد كتاب منير شفيق، "التناقض والممارسة في الثورة الفلسطينية"، فألتقطه وأجلس إلى طاولة أقرأ. وبعد أن استوعبت بعض الأفكار، خفق قلبي للكتاب، وأصابتني شهقة، ربما تفوق ارتباك ذاك الفتى المعجب بتلك الفتاة. فأخذته، وحصلت على صورة منه، ليصبح دليل تفكير دائم معي.
لم تتأخر المكتبة عن تزويد القراء بخدمة مدهشة في وقت مبكر زمنيا، ألا وهي خدمة البحث عن الكتب بالحاسوب، والأهم أن تطلب خدمة مرجعية؛ فربما مع بداية التسعينيات، صار ممكنا أن يطلب الباحثون تزويدهم بسجل من الكمبيوتر، كان يطبع على ورق أخضر كبير، في الآلات الطابعة البدائية التي تعتمد على شريط يطبع الحروف بشكل بدائي (دوت ماتركس)، فيه عناوين الكتب والدوريات التي تخص بحثا ما، يطلبه الباحثون بطلب رسمي.
عندما وقعت حرب الخليج الأولى العام 1991، تراجع ذهابنا للمكتبة، وصرنا نيمم شطر قاعة المحاضرات المستأجرة للمؤسسة في مبنى أحد البنوك الاستثمارية؛ نحضر الندوات والمحاضرات، ونتعلم أناقة إدارة الجلسات، والتخلص من الأزمات في الندوات بطرائف، كالتي كان يستخدمها مدير المؤسسة، آنذاك، الدكتور أسعد عبدالرحمن.
عندما انتهت الحرب، وأصبتُ بكآبة هزيمة العرب في العراق والكويت، وأصبت بقلق الشعور (أو بكلمات أدق استنتاج ما ثبتت صحته لاحقا)، أن الثورة الفلسطينية توقفت وبدأ عصر جديد، لم أعد أدخل إلى اليمين عند رف كتب الفكر والتاريخ الفلسطينيين، بل صرت أذهب إلى يسار ذلك الرف، حيث القصص والروايات. هناك اكتشفت قصة كتاب "وسقطت الطائرات عند الفجر"، عن حرب العام 1967، ومن هناك عرفت من هو يحيى يخلف، وصرت آخذ رواياته الصادرة حتى ذلك الوقت واحدة بعد الأخرى، أقرأها وأعيش مع شخصياتها تخرج من مخيمات اللاجئين، ومن جبل الثلج في جنوب لبنان، غارقاً في الوقت ذاته في رؤية انتهاء الانتفاضة والثورة، وبدء المفاوضات. ومن هناك أخذت غسان كنفاني، في مجموعة كاملة، اكتشفتها مع اكتشاف موسيقى عمر خيرت، في ثلوج العامين 1992/ 1993. ومن هناك أيضا اكتشفت سحر خليفة، و"باب الساحة" التي علمتني أنّ فلسطين هي بالنسبة للبعض، وأحياناً، "غولة". ومع سحر خليفة صرت أمشي في أزقة نابلس، وحارة الياسمينة هناك، وأتخيل الشارع لمكتبة عامة، كتبت عنها في رواية من رواياتها، وتخيلتها في رام الله.
إذا كنت من الجيل الذي غنى طويلا "أرخت عمّان جدائلها"، فقد ارتبطت جدائل عمّان عندي بمكتبتين؛ مكتبة لجمعية أصدقاء الطفل، كانت قرب الدوار الأول، أدارتها "أم عماد"، وهناك قرأت روايات وقصصا عن مصر وبيروت والحياة، ثم مكتبة شومان في الشميساني، مع إدراكي أنّ المؤسسة تتابع دورها في مقرها الحالي.

التعليق