خبير اقتصادي يدعو في "شومان" لتغيير الأنماط الفكرية والتركيز على العجز التنموي

قرم: العرب يمارسون التدمير الذاتي

تم نشره في الأربعاء 21 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:00 صباحاً
  • قرم وكنعان في مؤسسة منتدى عبد الحميد شومان أول من أمس - (الغد)

عزيزة علي

عمان – دعا الخبير الاقتصادي والمالي اللبناني د. جورج قرم إلى تغيير الأنماط الفكرية في العالم العربي والابتعاد عن الخوض المتواصل في الأمور الدينية للتركيز على العجز التنموي المتمثل في المؤشرات السلبية العديدة.
واستعرض قرم في المحاضرة التي ألقاها أول من أمس في منتدى مؤسسة عبد الحميد شومان الثقافي، وهي بعنوان “إلى أين نحن متجهون؟” وأدارها د. طاهر كنعان، في مقدمته الأساسية التي مرّت بها المجتمعات العربية منذ عهد الاستعمار الأوروبي إلى يومنا هذا، مروراً بعهد الاستقلال وطموحاته العديدة وانضمام الدول العربية إلى حركة عدم الانحياز، وبعد ذلك انقسام المنطقة العربية تحت اشتداد الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي إلى دول “معتدلة” كما سمتها الدوائر السياسية الغربية ودول “راديكالية”، وأخيرا مرحلة ما سمي بالصحوة الإسلامية وصعود حركات الإسلام السياسي.
وتحدث المحاضر عما أصاب تطور العالم العربي في العقود الأخيرة منذ الحرب العربية الإسرائيلية العام 1967 من ديناميكية الفشل، مبينا أن ما يحصل الآن في الساحة السياسية والاقتصادية العربية هو نوع من التدمير الذاتي، عمّ العديد من مجتمعاته تحت وطأة تداخل معقّد لعوامل دولية وإقليمية وقُطرية، يجب تحليلها بموضوعية دون الوقوع في العواطف والأفكار النمطية التبسيطية.
ورأى قرم أن نتيجة لهذه العوامل انتشر العنف الإرهابي الذي يرفع الشعارات الدينية ويسبّب الفتن الداخلية، ما ولّد المزيد من استحواذمناقشة القضايا الدينية والمذهبية والعقائدية على القدرات العقلية على حساب التفكير الهادئ في القضايا الأساسية والجوهرية للمجتمعات العربية، وهي قضايا تندرج في نظر المحاضر في الدرجة الأولى في قضايا اقتصادية اجتماعية، قلما تُعالج وتُناقش بطريقة جديةّ ومعمقة وهي تتلخص في العجز المتواصل في تملّك وتوطين العلم والتكنولوجيات الحديثة في المجتمعات العربية.
وقدم المحاضر أمثلة على استنزاف القدرات الفكرية العربية، المناقشات المتكررة والرتيبة حول إشكالية الاصالة والحداثة وكأن هناك مشكلة عويصة في تراثنا ـ والامر ليس كذلك بالطبع ـ او مشكلة في ما يسمى بالحداثة ولها ألف وألف معنى، ليس المجال هنا لمناقشتها.
وأشار قرم إلى القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تتخبط فيها المجتمعات العربية بدون إيجاد حل لها فهي تكمن في البيئة التي يمكن ان توّلد حركات العنف والارهاب والتدمير الذاتي، وهي يمكن تلخيصها بظواهر يجب التركيز عليها وتحليلها وإيجاد حلول لها.
وأضاف مستعرضا تلك الظواهر “أعلى نسب بطالة من عنصر الشاب العربي في العالم من بين جميع المناطق الأخرى، أدنى مستوى للقوى العاملة بالنسبة إلى عدد السكان أيضا من بين المناطق الأخرى في العالم وكذلك بالنسبة إلى مساهمة المرأة العربية في سوق العمل.
وبين “من أعلى نسب الأمية في العالم، أدنى نسبة بعد إفريقيا جنوب الصحراء في الانفاق على الأبحاث والتطوير وفي عملية تملّك العلم والتكنولوجيا وتشجيع القدرة، الابتكارية لإنتاج السلع والخدمات ذات القيمة المضافة والمطلوبة في الأسواق العالمية، نسبة هجرة أدمغة عالية للغاية تُفقد الوطن العربي قدرات إنتاجية في القطاعات الحديثة، اعتماد الصادرات العربية على المواد الأولية المعدنية والطاقاوية والزراعية إلى حد بعيد، تركّز الاستثمارات بنحو 80 % على النفط والبتروكيماويات والاسمدة وكذلك على القطاع العقاري والسياحي والتجاري والمالي؛ اما القطاع الصناعي وقطاع الخدمات ذات المحتوى التكنولوجي وذات القيمة المضافة العالية، فالاستثمارات فيها هي قليلة للغاية مقارنة بالقطاعات الأخرى المذكورة والتي تدرّ عوائد مرتفعة ريعية الطابع، تركّز ثروات ضخمة في اياد قليلة في كل الاقتصادات العربية بينما تشهد العديد من الاقتصادات العربية تدهورا كبيرا في الأوضاع المعيشية لدى الفئات المحدودة الدخل او العاطلة عن العمل، وهذا ما يؤدي إلى استمرارهذه الهجرة المتواصلة الى الخارج وعبور المتوسط في اشد الظروف حيث يغرق العديد من المهاجرين العرب في البحر”.
وأشار المحاضر إلى ظاهرة فشل كل التجارب التصنيعية في العالم العربي ـ التي وحدها يمكن او توفر فرص العمل اللائقة للعنصر الشاب المتزايد اعداده سنوياً ـ وذلك منذ عهد محمد علي باشا في مصر في بداية القرن التاسع عشر الى تجربة جمال عبد الناصر في مصر أيضا وهواري بومدين في الجزائر وصدام حسين في العراق.
وقارن قرم بين هذه الاخفاقات والنجاحات التي حصلت في دول شرق آسيا والصين التي كانت أفقر من الدول العربية في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، وأصبحت اليوم بين عمالقة العالم في كل أنواع الصناعات الحديثة.
ويذكر أن د. جورج قرم صدر له العديد من المؤلفات، منها “السياسة الاقتصادية والتصميم في لبنان (باللغة الفرنسية)”، “تعدد الأديان وأنظمة الحكم”، “الاقتصاد العربي أمام التحدّي”، ، “التبعية الاقتصادية، مأزق الاستدانة في العالم الثالث في المنظور التاريخي”، “التنمية المفقودة، دراسات في الأزمة الحضارية والتنموية العربية”، “انفجار المشرق العربي، من تأميم قناة السويس إلى اجتياح لبنان”، “أوروبا والمشرق العربي، من البلقنة إلى اللبننة: تاريخ حداثة غير منجزة”، “مستقبل لبنان في المحيط الإقليمي والدولي، كتاب جماعي بمساهمة وتحت إشراف المؤلف والأستاذ بول بالطة”، “إعمار بيروت: الفرصة الضائعة، دراسة جماعية”، “التحوّل، رواية عن الحرب اللبنانية”، “النزاعات والهوّيات في الشرق الأوسط”، “العلاقات الاقتصادية والمالية الأوروبية – العربية”، “الفوضى الاقتصادية الدولية الجديدة”، “المصلحة العامة والإعمار في الاقتصاد السياسي لما بعد الحرب”، “مدخل إلى لبنان واللبنانيين، يليه اقتراحات في الإصلاح”، “التنمية البشرية المستدامة والاقتصاد الكلي، حالة العالم العربي”، “انفجار المشرق العربي، 1996 – 1990 (المجلد الثاني)”.

azezaa.ali@alghad.jo

التعليق