الحرب في سورية.. دروس مستفادة من مصير حلب المأساوي

تم نشره في الخميس 22 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:00 صباحاً
  • رجل يحمل ابنه الصغير بين أطلال حلب المدمرة - (أرشيفية)

تقرير خاص - (الإيكونومست) 17/12/2016

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

غروزني، ودريزدن، وغويرنيكا: بعض المدن صنعت تاريخاً من خلال تعرضها للتدمير. وسوف تنضم حلب، التي كانت ذات مرة أكبر حاضرة في سورية، إلى صف هذه المدن قريباً. فقد تحول تاريخها الإسلامي القديم والذي يزيد تاريخه على 1000 عام إلى رماد؛ واستهدفت الطائرات الروسية الحربية مستشفياتها ومدارسها؛ وتعرض مواطنوها للغارات والقصف والتجويع والضرب بالغازات السامة. وفي الأثناء، لا يعرف أي أحد كم هو العدد من عشرات الآلاف الذين تبقوا في آخر جيب عربي سني سيموتون محاصرين في داخل الركام الذي يلتجئون إليه. وحتى لو حصلوا على الممر الآمن الذي وُعدوا به، فإن محنتهم الطويلة التي استمرت أربع سنوات في حلب نسفت المبدأ القائل إنه يجب تجنيب الأبرياء التعرض لأسوأ عواقب الحرب. لكن، بدلاً من ذلك، أطبق عليهم واقع لئيم ووحشي، وهو يهدد بعالم أكثر خطورة وأقل استقراراً.
لإدراك عمق مأساة حلب، يجب أن نتذكر أن أولى الاحتجاجات ضد رئيس سورية، بشار الأسد، في العام 2011 شهدت السُّنة وهم يسيرون بابتهاج جنباً إلى جنب مع الشيعة والمسيحيين والأكراد. ومنذ البداية، وبمساعدة كثيفة من إيران، عكف السيد الأسد على تدمير احتمال استمرار المقاومة السلمية عبر استخدام العنف، ليدفع بذلك أبناء شعبه إلى التطرف. وفي ذلك الوقت المبكر، كان ادعاؤه بأن كل الثوار "إرهابيين" ادعاءً مثيراً للحفيظة.
اليوم أصبح بعضهم كذلك. وكانت هناك بعض نقاط الانعطاف عندما كان يمكن أن يتدخل الغرب -من خلال إقامة منطقة حظر للطيران على سبيل المثال؛ أو ملاذ آمن يستطيع المدنيون اللجوء إليه؛ أو حتى برنامجاً كاملاً لتسليح الثوار. لكن الغرب، بعد أن أصبح مشلولاً بسبب إرث العراق وأفغانستان، تراجع وامتنع عن التدخل. وعندما استعر القتال وتخندق، ازدادت الحاجة إلى التدخل شهراً دموياً بعد شهر. لكن حجم المخاطرة والتعقيد في التدخل ازدادا بسرعة أكبر. وبينما كان نظام الأسد على وشك السقوط، انضمت روسيا إلى المعمعة، وتصرفت من دون وازع من ضمير، محدثة أثراً كارثياً مدمراً. ويقف سقوط حلب ليكون دليلاً على أن الأسد تسيد في الصراع، كما يشير السقوط إلى نفوذ إيران. لكن الانتصار الفعلي يعود إلى روسيا التي أصبحت تعوِّل مرة أخرى على النفوذ في الشرق الأوسط.
بالمقدار نفسه، لا تشكل الهزيمة مجرد ضربة لمعارضي السيد الأسد فحسب، وإنما هي ضربة أيضاً للاعتقاد الغربي بأن القيم تهم في السياسة الخارجية بقدر ما تهم المصالح. بعد عملية الإبادة الجماعية في رواندا في العام 1994، عندما تعرض التوتسي للمجازر وأدار العالم لهم ظهره، أدركت الدول أن عليها واجب يتمثل في كبح جماح القوة الوحشية. وعندما قبل أعضاء الأمم المتحدة مبدأ مسؤولية الحماية لضحايا جرائم الحرب، أينما كانوا، اتخذت المعاهدات ضد استخدام الأسلحة الكيميائية والقتل المتهور للمدنيين مسارات جديدة. ولم تكن الرغبة في ترويج الحرية والديمقراطية بعيدة في الخلف.
غبار ورماد
عانى هذا المثال من التدخل الليبرالي بشدة. وأظهرت الحملات بقيادة أميركية في كل من أفغانستان والعراق، أنه لا يستطيع حتى البلد الأقوى في التاريخ فرض الديمقراطية بالقوة وحدها. ومع أن مأساة حلب تظل أقل وضوحاً، فإنها لا تقل أهمية بأي حال. وعندما شاهد الغرب أعمال العنف التي ارتكبها السيد الأسد، فإنه لم يفعل شيئاً أكثر من إعادة استخدام العبارات الدبلوماسية. وبفشله في الوقوف دفاعاً عما يفترض أنه يعتقد به، أظهر الغرب أن القيم التي يتحدث عنها لا تعدو كونها مجرد كلمات -ومن الممكن أن يتم تجاهلها مع المتمتع بالحصانة.
يشترك الكثيرون من الناس في تحمل اللوم. فبعد أن أغرق السيد الأسد شعبه بغاز الأعصاب، متجاوزاً بذلك خطاً أحمر أميركياً، صوت البرلمان في بريطانيا حتى ضد اتخاذ عمل عسكري محدود. وعندما هرب الملايين من السوريين إلى الدول الجارة، بما فيها لبنان والأردن، أدارت معظم البلدان الأوروبية وجوهها إلى الجهة الأخرى -أو لجأت إلى وضع الحواجز لإبقاء اللاجئين في الخارج.
يقع قدر خاص من اللوم على باراك أوباما. فقد عامل الرئيس الأميركي سورية على أنها مصيدة يجب تجنبها. وأثبت توقعه المغرور بأن روسيا ستسقط في "مستنقع" أنه سوء حكم تاريخي. وطيلة فترة رئاسته، سعى السيد أوباما إلى نقل العالم من نظام عملت فيه أميركا غالباً لوحدها للدفاع عن قيمها، وحيث كانت قلة من البلدان مثل بريطانيا تسير في الركب، إلى نظام وقعت فيه مهمة حماية الأعراف الدولية على كاهل كل البلدان -لأن الجميع يستفيدون من القواعد والقوانين. وتشكل حلب مقياساً لكيفية ومدى فشل هذه السياسة. فعندما تراجعت الولايات المتحدة، لم يكن الذي ملأ الفراغ دولاً مسؤولة تدعم الوضع القائم، وإنما ملأته بلدان مثل روسيا وإيران اللتين تريان في ترويج القيم الغربية مؤامرة خبيثة وماكرة لتغيير النظام في موسكو وطهران.
أهلاً بكم في البازار
 نظرياً، يستطيع الرئيس الأميركي التالي أن يسعى إلى تغيير هذا الوضع. ومع ذلك، يجسد دونالد ترامب الفكرة التي تقول إن التدخل الليبرالي هو شأن يخص الساذجين. ويعيد ترشيح وزير خارجيته الجديد، ركس تيليرسون، رئيس شركة أكسون موبايل، تعزيز رسالة حملته الانتخابية: كرئيس، يريد السيد ترامب عقد صفقات وليس الوصول بالقيم إلى بر الأمان.
يشكل التوصل إلى صفقات جزءاً أساسياً من الدبلوماسية -خاصة مع وجود خصوم مثل روسيا وإيران، ومنافسين مثل الصين. لكن سياسة خارجية تتنقل بين صفقة وأخرى من دون إستراتيجية أو من دون أن تكون مترسخة في القيم الأساسية، سوف تنطوي على مخاطر جسيمة؛ إحداها أن الحلفاء يصبحون أوراقاً للمساومة. وكان السيد ترامب قد وضع دعمه لتايوان الديمقراطية، والتي تدعي الصين بأنها مقاطعة متمردة، كشيء تمكن مقايضته مع المساعدة في خفض العجز التجاري الأميركي مع الصين. وثمة مساومة كبرى يتوسط فيها السيد تيليرسون مع أصدقائه في روسيا، والتي يمكن، على سبيل المثال، أن تسحب القوات الأميركية من دول خط المواجهة في الناتو في مقابل إجراء دبلوماسي منسق ضد إيران أو الصين، مما يترك دول البلطيق عرضة للعدوان الروسي. وفي الحقيقة، تكمن قوة أميركا الكبيرة في شبكة تحالفات ليس لها نظير. ويجب على السيد ترامب أن يهتم بحلفائه وليس الاتجار بهم ومقايضتهم.
ينطوي نظام يستند إلى عقد الصفقات على مخاطر أن يكون غير قابل للتنبؤ به وغير مستقر. وإذا فشل السيد ترامب في عقد صفقته مع روسيا، فإنهما يمكن أن ينجرا بسرعة نحو مواجهة بينهما -وعندها لن يكون عقل السيد أوباما الهادئ مفتقداً أكثر من ذلك. وعندما تكون القوة هي الحق، تُحاصر البلدان الصغيرة أو تجبر على قبول شروط بائسة، بينما تقوم القوى الكبرى باستعراض ما لديها. ومن دون إطار عمل لتقييدها، تتطلب الصفقات إعادة تفاوض من آن لآخر، من دون التوصل إلى نتائج أكيدة. بل إن المشاكل المعقدة والعابرة للحدود مثل تغير المناخ تصبح أكثر صعوبة على الحل.
لقد شاهد العالم ما الذي يحدث عندما لا تستطيع القيم أن تكبح جماح الفوضى والفوضوية الناجمين عن الجيوسياسات. وفي حلب المحزنة والمهجورة، ما يزال القتال مستعراً بلا رحمة. والناس الذين عانوا أكثر ما يكون هم الفقراء والأبرياء.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:The war in Syria, the lessons from Aleppo’s tragic fate

[email protected]

التعليق