إبراهيم غرايبة

مواجهة مع الذات في مسألة الكراهية والعنف

تم نشره في الخميس 29 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:05 صباحاً

ليس مفيدا في شيء الاكتفاء بإدانة الإرهاب سوى الهروب من مسؤولياتنا؛ حكومات ومجتمعات وأفرادا. ولشديد الأسف، فإن الإرهابيين والمتطرفين ودعاة الكراهية، ليسوا جماعات هبطت علينا أو تسللت إلى بلادنا، بل حالة متصلة بالمنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية، ولا مناص من مراجعة شاملة واستراتيجية لمنظوماتنا ومؤسساتنا الدينية والتعليمية والاجتماعية والثقافية، أولا وقبل كل شيء. إذ سواء كان صحيحا القول إن هذه المنظومات تنتج التطرف أو تهيئ له، أو لم يكن صحيحا، فإنها بالتأكيد لم تنجح في مواجهة التطرف. وإذا قبلنا بضرورتها وأهميتها، يجب أن نسأل، بطبيعة الحال، لماذا فشلت في دورها المفترض؟
لم يكن التطرف والإرهاب حالة مفاجئة أو منفصلة عن السياق المحيط بها، لكنها تمثل محصلة طبيعية لبيئة وسياسات وظواهر وأزمات متراكمة ومتفاعلة. ويمكن إجمال هذه الرواية الطويلة بأسلمة معتسفة لم يأمر بها الله للأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، سواء كانت سياسات ومؤسسات حكومية أو جماعاتية، أو شركاتية استثمارية. الصراع السياسي والأهلي القائم في عالم الإسلام اليوم، ليس سوى إقحام للمقدس في السياسة والأسواق، ويجب الإقرار بأنها كانت سياسات حكومية تنفق عليها الحكومات من الموارد العامة.
ثمة مجال، وفي فترة زمنية قصيرة، لبناء وتطبيق رؤية جديدة تجعل الدين جزءا من الاعتدال والتسامح والتنمية والإصلاح، وتعيد تنظيم الشأن الديني والتعليمي في السياق الذي يجعل الدين مصدرا روحيا ملهما للإصلاح والارتقاء، وليس سببا للصراع والأزمات؛ أو بعبارة أكثر وضوحا: التحول من الأسلمة السياسية والاقتصادية إلى التدين الروحي والاجتماعي.
وتبدأ المواجهة مع الكراهية والعنف والتطرف، وفق رؤية الرسالة الروحية والاجتماعية للدين، بتفكيك شبكة عميقة مؤسسية وتعليمية واقتصادية ترعاها الدول والمجتمعات والشركات. فقد تشكلت متوالية هائلة ومعقدة من المؤسسات والكليات والمناهج التعليمية والأسواق والبنوك والشركات، ولم يعد ممكناً وقف هذا التطرف المتنامي إلا بالعودة إلى مبتدأ "الأسلمة" التي اجتاحت العالم العربي والإسلامي.
بدأت منظومة الإسلام السياسي أو "الأسلمة"، وما نشأ عنها من جماعات وأنماط جديدة من التدين السياسي والعنفي ومن تدمير المؤسسات الدينية العلمية والروحية التي كانت قائمة وتعمل لقرون عدة، بالتحول من التدين إلى الأسلمة؛ أو من التأثير في الأفراد والمجتمعات والمؤسسات القائمة على أساس من الدين، إلى تغييرها أو إنشاء منظومات بديلة مختلفة عنها جذرياً تحل مكان المنظومة "الجاهلية" أو ما يعتقد أنها غير إسلامية، أو منافستها. هكذا صارت لدينا مدارس إسلامية وبنوك "إسلامية" وكليات جامعية للصيرفة "الإسلامية" وإعلام "إسلامي" وكليات ودراسات جامعية للإعلام "الإسلامي"؛ وكذلك الحال في الحكم والسياسة واللباس والطعام والفنون... والسياحة أيضا.
وهكذا، أيضا، فإن الطلبة يدرسون في الجامعات والمدارس أنظمة "إسلامية" تعتبر الأنظمة القائمة والمطبقة كفراً وجاهلية يجب تغييرها، وتقدّم في ذلك دراسات وأطروحات جامعية ومقررات ومناهج دراسية تُفرَض على طلبة المدارس والجامعات. وماذا أفضل من ذلك للتطرف والجماعات المتطرفة لتحشد المؤيدين والأعضاء والمناصرين والمقاتلين، أو تعمل في أمان وسلام؟ ثم تهيئ الحكومات إضافة الى ذلك بيئة علمية وبحثية لتحويل هذه الاتجاهات إلى أفكار متماسكة ودراسات علمية ورسائل ماجستير ودكتوراه!
ومن ثم،، فإن بذل الجهود العلمية والمؤسسية لإقامة أنظمة إسلامية، ليس سوى عمل ضد الذات، ننشئ لخدمته وتطويره مؤسسات ننفق عليها من الموارد العامة. وليس ذلك مطلباً دينياً ولم يأمر به الله، لكننا في ذلك نرعى التطرف ونمنحه بيئة مشجّعة وآمنة.
أخيراً، كيف يمكن تنظيم الشأن الديني والمؤسسات الدينية والتعليم الديني من دون تناقض مع الدين أو متطلبات الدولة المدنية الحديثة؛ ومن دون رعاية للتطرف؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »المواجهه (اسعد)

    الخميس 29 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    ليس اسهل من الهروب من الواقع وألأنكار واصدار الشعارات , والمحصله مكانك سر