رسائل من الكرك

تم نشره في الخميس 29 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:04 صباحاً

الأحداث المؤلمة أحياناً، سواء في حياة الأفراد أو الشعوب، تؤدي إلى ظهور مواقف تؤكد جوهر هؤلاء الأفراد والشعوب من خلال الدلالات الرمزية لهذه المواقف، ودورها في تأكيد قيم المجتمع الحقيقية أو تعزيزها.
وعلى الرغم من مأساوية الأحداث التي شهدتها الكرك الأسبوع الماضي، والخسارة الإنسانية التي لا يمكن تعويضها، وبخاصّة لأهالي الشهداء، فإنه كان لها نتائج يجب أن نتوقف عندها، لأهميتها في رسم الذاكرة والهوية الوطنيتين. فأهل الكرك والأردنيون بمواقفهم وردّات فعلهم على هذه الأحداث أرسلوا رسائل عدّة مهمّة جداً:
أولاً، أثبت أهالي الكرك بهبتهم العفوية ضد الفئة الإرهابية، ومن خلال دعمهم والوقوف خلف الأجهزة الأمنية، أنه لا توجد حاضنة اجتماعية للإرهاب في الأردن. صحيح أن الفكر المتطرف موجود لدى أشخاص وفئات عدة، إلا أنه لا توجد بنية اجتماعية يمكن أن تحتضن هذا الفكر المتطرف، بالرغم من الاستهداف الواضح للأردن، وبالتحديد للكرك لأهميتها التاريخية في التكوين الوطني والقومي. وبالطبع، هذا الموقف من أهالي الكرك كان محركاً لمواقف الأردنيين من الفئات وفي المناطق كافة.
ثانياً، رفض أهالي الكرك أن يخرج هذا الموقف عن سياقه الحقيقي، وهو أنه عمل إرهابي يستهدف الدولة والمجتمع. وعليه؛ فقد تم تفويت الفرصة على استغلال هذا الحدث لأغراض سياسية أو غيرها، وبقيت البوصلة وطنية بامتياز.
ثالثاً، تزامنت هذه الأحداث مع مرور أسبوع تقريباً على ذكرى المولد النبوي الشريف، وقبل أسبوع من عيد الميلاد المجيد؛ إذ ضرب الأردنيون بعامة، والكركيون بخاصة، أبهى صور العيش المشترك الذي ميّز العلاقة بين أبناء الوطن الواحد من مسيحيين ومسلمين.
فإلغاء الاحتفالات بأعياد الميلاد واقتصارها على الشعائر الدينية، قابله موقف من أهالي الكرك بالتأكيد على وحدة التاريخ والحاضر والمستقبل عندما شارك وجهاء الكرك إخوتهم المسيحيين بالذهاب إلى الكنيسة، والمشاركة في الصلاة بمناسبة عيد الميلاد. والرسالة بالغة الأهمية لكل من حاول أو يحاول أن يستخدم الخطاب الطائفي لأغراض سياسية، والتي دمرت دولاً بالإقليم من حولنا.
هذه الرسائل هي في صلب مكونات الهوية الوطنية والقائمة على الاعتدال والمواطنة والعيش المشترك.
لكن الأحداث أيضاً كشفت عن حجم الفجوة التنموية بين المراكز والمحافظات، وعن الآثار الاقتصادية السلبية التي تركتها أزمة الإقليم والسياسات الاقتصادية، وضرورة معالجتها بوصفها جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية مكافحة الإرهاب والتطرف، والذي بالأصل هو سياسي وليس دينياً.
إن التعاضد والتماسك الاجتماعيين اللذين كشفت عنهما أحداث الكرك المؤلمة أولاً، من خلال الوقوف خلف الأجهزة الأمنية؛ وثانياً من حيث التضامن منقطع النظير بين فئات المجتمع كافة، قد يكونان أهم مرتكز من مرتكزات محاربة التطرف في الأردن، واللذين لا بد من أخذهما بالاعتبار عند إجراء المراجعات حول تلك الأحداث. هذا التماسك بحاجة إلى تعزيزه بالانتباه والتنبه من قبل الحكومات لضرورة الاهتمام الكافي واللائق بالاحتياجات الاقتصادية والمعيشية للمواطن.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كلام صحيح (مواطن _ الكرك)

    الخميس 29 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    كل ما جاء في مقالة الدكتور صحيح و معبر عن الواقع وباعتقادي اهم جزئية اجراء المراجعة الحقيقية والصادقة لاحوال المواطنين ومعايشتها لا العيش على ماسيهم ومحاولة التذاكي عليهم فالشعب واعي ومدرك اين الخلل ومن يقف خلفه