د.باسم الطويسي

إعادة بناء الأمل

تم نشره في الاثنين 2 كانون الثاني / يناير 2017. 01:07 صباحاً

ما الذي يحتاجه الناس في بلادنا هذه الأيام أكثر من إعادة بناء الأمل في مواجهة مشاعر الإحباط واللاجدوى واليأس من التغيير؟ فقد مرت سنة صعبة وقاسية على مختلف الصعد، وقبلها أيضا سنوات صعبة تصاعدت فيها الأزمات وطحنت الظروف الاقتصادية الناس. وخلقت التحولات السياسية والاجتماعية المتلاحقة حالة من اللامبالاة والتطبيع مع الموت المجاني والجرائم البشعة، كما التطبيع مع الرداءة في كل شيء؛ في التعليم والأمراض في الشوارع والزحام والفوضى، فيما ارتفع صوت الانتهازية السياسية والثقافية والأقليات الصارخة فوق صوت الناس والحياة.
رتب فشل السياسة الذي شهده الإقليم المحيط بنا خلال السنوات السابقة، ضغوطا هائلة غير مسبوقة على الأردن، رغم أن الأردن الرسمي بقي الأكثر تماسكا واستقرارا في المنطقة. وفي الوقت الذي نجحت فيه الاستجابة الأمنية في الحد من آثار الفوضى الإقليمية، فإن الاستجابة الاقتصادية والتنموية كانت باهتة ومحدودة؛ يبدو ذلك واضحا في مصفوفة الآثار الأمنية والاقتصادية والديمغرافية، وفي الضغوط الهائلة على المؤسسات والنظم التعليمية والصحية والخدمية والبنى التحتية التي كانت مصممة في الحد الأدنى من القدرة. كما تبدى ذلك في تراجع الفرص في العمل والأعمال وتحقيق الذات، ما عمق مشاعر الفشل وقلة الحيلة لدى طبقات واسعة من المجتمع الأردني، وبتنا نلاحظ تسارعا كبيرا في نمو تعبيرات سياسية وإعلامية عن فرز اجتماعي غير مسبوق، يبرز بقوة وبمشاعر حادة في أوقات الأزمات. وهي مشاعر وانفعالات تترجم أحيانا بسلوك فردي وجماعي.
لا توجد وصفات سحرية لكي يستعيد الناس الأمل. لكن ثمة خبرات تاريخية هائلة لإعادة بناء الأمل في نفوس الناس. وقد شكل بعض تلك التجارب نماذج فذة للطريقة التي تستعيد بها المجتمعات قوتها، وتستطيع أن تحقق العبور نحو التغيير والنهضة. وفي كل الحالات، كانت فلسفة البناء على الأمل ترتبط بثلاثة متغيرات أساسية: الأول، الإنجاز؛ فلا يمكن أن يتلمس الناس الأمل من دون إنجازات. وهنا لا يكتفى بالإنجازات العامة الكبرى وهي الأهم، بل ينسحب ذلك إلى إنجازات الأفراد، وهي تشكل في مجموعها الصالح العام. والعامل الثاني، هو القدرة على بناء الثقة العامة. وقد لاحظنا خلال السنوات القليلة الماضية كيف تم تهشيم هذه الثقة وإضعافها، في وقت صعدت فيه حكومات تأتي وتذهب على عجل، تتكون من نخب منشغلة على الأغلب بتصريف الأمور اليومية، وغير قادرة على فض مشاجرة بين عشيرتين؛ كما مجالس نيابية شكلية حولت السلطة التشريعية إلى أداة لتوليد المزيد من الضعف، فيما تسللت ملامح فقدان الثقة بنظم التعليم والمؤسسات الرديفة. وفي الوقت الذي أخذت الدولة خطوات على طريق استعادة الثقة، فإنها في بداية الطريق. أما العامل الثالث، فهو البناء المعنوي للناس وتعميق الشعور العام بالانتماء لمصير واحد، وأن الصالح العام يعني الجميع، والقانون يعمل من أجل الجميع، وهوية الدولة للجميع.
والغريب أن الناس في بلادنا لديهم طاقـة كبيرة على التفاؤل كلما لاحت في الأفق ملامح أو وعـود بالتغيير؛ أي القدرة على استعادة الأمل. لكنهم في المقابل يملكون حساسيـة عالية للفشل قابلة للانتكاس، ما يعيدنا إلى مركز الدائرة حول إعادة تعريف الإنجاز الوطني من جديد؛ وما يذهب بنا مجددا للبحث عن إطار جديد ومعايير مختلفة لقياس الإنجاز الوطني يبتعد عن النجاحات الآنية وعن إدارة البلاد بالأجندة اليومية، نحو البحث عن عمق اجتماعي حقيقي للإنجازات كي تصل إلى الناس.
الأمل قوة كبرى تحتاجها المجتمعات والدول في مواجهة التحديات وفي اللحظات الصعبة. والأمل يمكن أن يُشتغل على توليده في مشاعر الناس ووعيهم. علينا تذكر تجارب شعوب أوروبا الخارجة من كوارث الحرب العالمية الثانية؛ كيف بنت بالأمل شعوب محطمة ومكلومة معجزات في الإنجاز. الناس في بلادنا في أمس الحاجة لاستعادة الأمل، من أجل أن يعبروا هذه المرحلة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »صراع المعايير (يوسف صافي)

    الاثنين 2 كانون الثاني / يناير 2017.
    شرحت واسهبت وشخصّت ومدحت وانتقدت واجدت تحليلا ولوجا الى شاطئ الأمل الذي يعيش عليه الجميع " اعلل النفس بالآمال ارقبها ما اضيق العيش لولا فسحة الأمل" لتصل بنا الى التغاير الحاصل مابين قوة الذات وعلتّها (الحساسية بالفشل) وهذا ما يسمّى بصراع المعايير استاذ باسم وهذا يتطلب المعالجة لنسيج المجتمع ومكنوناته وإعادة التوازن لمنظومة المعرفة المجتمعية وروافعها من قيم وثقافة وعادات وتقاليد وثابتها العقيدة مما اعتراها نتيجة الوافد الينا دون استئذان وفلترة وتمحيص والأنكى المملى علينا من قوانين ومنظمات تحت مسميات مزركشة (باطنها السم والدسم ) غير متوائمة على مانحن عليه من قيم وثقافة وعقيدة؟؟؟بعيدا عن المقارنة والتقليد والتبعية حيث ان لم يتطابق النسيج المنوي الترميم من خلاله النسيج التالف سيلفظه ؟؟؟وهذا مانعيشه من خلال المسميات تحت ستار الديمقراطية وحقوق الإنسان والدولة المدنية وما الخ من مصطلحات حيث نجحت من خلالها الشعوب الأخرى حيث تطابق النسيج ؟؟مع ترحيبنا بكل معانيها ومضامينها وقبل استدراجنا اليها (الجمل بما حمل ) علينا فلترتها وتمحيصها وفرز الغث من السمين والخروج بمضامين تتوائم ومانحن عليه من قيم وثقافة وعقيدة ؟؟؟ ودون ذلك وكأننا "نقول داويها بالتي هي الداء" وتاريخنا بحضارته سبق بريطانيا وغيرها ناهيك عن تطابق النسيج والجينات ؟؟؟ ولايعقل مايجب ان يكون في حواري لندن يجب ان يكون في حواري بصيرا (الطفيلة الأبية) ؟؟