مجتمع الاختبارات والأحكام

تم نشره في الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2017. 12:07 صباحاً

 حياتنا اليومية مليئة بالدروس والامتحانات. في البيت والشارع والمدرسة والجامعة والنادي والمكتب نتعلم دروسا بعضها طوعا والآخر الزاما ومع كل درس او تجربة جديدة نلجأ الى سؤال انفسنا أو قد يسألنا البعض عن  أثر الدرس أو التجربة على مخزوننا المعرفي أو على سلوكنا وعلاقاتنا. في حقيقة الأمر  يمكن النظر لمسيرة حياتنا على أنها سلسلة من التجارب وعلى الذين يحيطون بنا ونخالطهم على أنهم  لجان اختبار مؤقتة ودائمة موزعة على مجالات نشاطنا وأماكن تواجدنا.
الأسماء التي نحملها ومجموعة الأدوار التي نقوم بها وخلاصة الانطباعات التي يكونها الناس ويجري تناقلها أو تداولها تسهم في بناء الصورة التي يحملها ويتداولها الآخرون عن أنفسهم وغيرهم. في كل يوم نشهد أشخاصا ونتحدث عن  كل من نعرفهم عندما تذكر أسماؤهم، فنثني على البعض ونسرف في ذكر نواقص وعيوب البعض الآخر في ضوء تجاربنا واختبارنا لهم.
الأمهات يختبرن أطفالهن فيما اذا كانت حواسهم سليمة فيلقين عليهم وابلا من الأسئلة والمثيرات لقياس سلامة حاسة السمع وقوة البصر ومقدار الذكاء والقدرة على الاستجابة والفهم والتعلم.  التكيف مع المحيط هدف يسعى الوالدان الى تدريب صغارهم عليه؛ فالطفل الذي لا يتجاوب مع اختبارات التكيف يحظى باهتمام زائد وتصمم لهم برامج خاصة لضمان عمل كل ماهو ممكن لتحقيق الهدف.
في الثقافة الشعبية يتوارث الآباء والأمهات أساليب التنشئة والتدريب والحكم على القدرات وتستطيع أي اسرة مهما كان تحصيل اركانها العلمي ان تعرف بدقة ما يعرفه الابناء وما لا يعرفونه، تارة بالقياس واخرى بالملاحظة ودائما من خلال غرائزهم الوالدية التي لا يمكن تضليلها  مهما حاول الصغار استدرار عطفهم او تحويل انتباههم او استثمار عاطفتهم. بعض الاسر تبالغ في قدرتها على الاستكشاف والحكم مستندة الى القول شائع الاستخدام " الديك الفصيح في البيضة بصيح"  او بالقول "وسومها من خشومها"  وغيرها من الحكم التقليدية التي لا يجد الناس عناء في استخدامها وفهم مدلولاتها.
المعرفة الانسانية  جرى تصنيفها وتجزئتها وتقاسمها بين مئات الحقول والتخصصات. وفي كل الدنيا أوكل للمدارس والجامعات والمعاهد والكليات الإشراف على حفظ المعارف وتطويرها  وتبادلها ونشرها واستخدامها عبر البرامج  البحثية والتعليمية وتنظيم  عمليات الاختبار والإجازات العلمية والتوثيق.
 العالم الذي احترم مؤسساته العلمية والمعرفية ووفر لها الموارد والحماية من تدخلات الادارة والسياسة والدين حقق تطورا وتقدما فاق توقعات الجميع.  إهمال مبادئ التخصص وتقسيم العمل واسناد الادوار للاشخاص على أسس القرابة والجهة والولاء الشخصي وصفة لتحجر المجتمع وتعثر مسيرته وفقدانه لخاصية المنافسة والتقدم الضروريين للاستمرار في مجتمع العولمة.
 المجتمعات القليدية التي بقي نظامها الاجتماعي الاقتصادي  بطركيا أبويا توزع الادوار والمكانات على افرادها في ضوء تقديرات عاطفية تحكمها الرغبة والميول أكثر من الكفاءة  والجدارة. في غالب الاحيان  ينظر المدراء والمسؤولون لمن يعملون بإمرتهم  كما يفعل الآباء والامهات الذين يتفحصون حرارة الاطفال بشفاههم قبل ان يقوموا بقراءة الرقم الذي يظهره المقياس الزئبقي.  
الهوس الذي تبديه مجتمعاتنا بالامتحانات وبرمجتها وشرح  التدابير التي أعادت للامتحانات هيبتها أمر يدلل على رغبتنا في تأكيد سلطتنا على الابناء  اكثر مما يعكس اهتمامنا بتنميتهم وإعدادهم للحياة التي تنتظرهم خارج اسوار المدارس التي اعدت كمعامل لإنتاج وتصنيع ونقل المعرفة.

التعليق