نادر رنتيسي

منذ عشرين عاماً ربّما

تم نشره في الأربعاء 18 كانون الثاني / يناير 2017. 12:00 صباحاً

أسعى وراءك، ويخرج من فمي لهاث، ويبتلُّ جبيني بالعرق. مرّ عشرون عاماً ربّما، وما زلتُ أتبعكِ كمُخبر كلاسيكيٍّ، بنظارة سوداء، وسترة داكنة، وصحيفة أول من أمس، يظنُّ أنّه سريٌّ رغم أنّ أمره مفضوحٌ تماماً لكلّ المارة والباعة الجوّالين، والواقفين بانتظار الطريق. عشرون عاماً لم تسعفني قدماي أنْ أضعَ كفّي على كتفك، وأسألكِ بالغباء التقليديِّ عن طريق العودة إلى الريف، ثمّ أطلبُ أنْ تشعلي لي سيجارة وضعتُها فوق أذني اليمنى لمزيد من الرجولة.
ليس في ساعتي وقت إضافي، وليس لي في البقيّة عُمْر. وعما قريب سينتهي الإسفلتُ، وتتخلّى عن رعايتي شواخص المرور، وأمشي فوق طريق ترابيّة صلبة، وأدخلُ الصحراء. في النصف الخالي أمشي، وهذه الخاتمة كأنّها وردت في مسلسل قديم: أنتِ أمام "بيت شَعر" تضيفين حَبّ الهال إلى القهوة، وأنزلُ عن فرس عطشى، بصفة ضيف، ثمّ أقعُ في حبّكِ، وأكتبُ في عينيكِ شعراً نبطياً. أعرفُ أنّ هذا لا يليق بي، لكنّي أفكّر بأيِّ شيءٍ أكتبه على الرمل.
وأفكّر أيضاً بأشياء أخرى غير قابلة للتصديق: أنْ أقطعَ الطريق الزراعيّ أمام سيّارتكِ الألمانية التعيسة، وأفتعل اللهاث، وأرجوك أن تذهبي بي إلى العاصمة. أجلس بجانبك، وأتركُ مساحة كافية لشيطان لئيم، تُسكتينَ نشرة الأخبار في المذياع التي تتحدّث أنباؤها عن سقوط محتمل لعاصمة ونموّ مدينة، وتضعين "عبد الوهّاب"، وهو يسألُ ويجيبُ: "من غير ليه" حدثَ كلُّ هذا، فقد سعيتُ وراءك لكي ألهث، وأجد فرصة للزفير.. وهذه كانت طريقتي الوحيدة للعبث: أغمض عينيّ لأراكِ.
مرَّ عشرون عاماً ربّما.  لو التقينا كما يحدثُ عادة لرجل يحبُّ الأرز وامرأة من مواهبها القليلة طهي الأرز بالقرنبيط الأخضر، لتزوّجنا في صيف بعيد بصالة متعدّدة الأغراض، وأنجَبْنا سبعة أطفال خامسهم غير قابل للنموّ، ويكون فرصتنا الأخيرة لدخول الجنّة. لكن الوصول إلى نهار الجمعة مثير للسأم. كان بإمكاني أنْ أضع كفّي على كتفك، وأسالك عن طريق العودة إلى الريف، ونعود معاً، أنتِ تمنعين الذباب من النزول على دوائر العجين، فيما أنشغلُ أنا في البحث عن مجرى للصرف الصحيّ.
وكأيِّ مُخْبر كلاسيكيٍّ أضعتكِ بعد إشارة مفتوحة على كلّ الاتجاهات. رميتُ أوراق الجريدة، وخلعتُ النظارة السوداء، وسترة البدلة الداكنة، وهدأ اللهاث. لم أكترث بالبحث عنكِ، تركتُ الأمر لمصادفة سينمائية، وخيال روائي محدود. وهذا أنا الذي يجلس في المقهى العصريّ الآن بعد السابعة والثلاثين وراء جهاز محمول، أكتبُ تعليقاً سياسياً حاداً عن احتمال سقوط عاصمة، وأضغط بزرّ الإعجاب على صورة امرأة سمينة الزندين، وأراقب مشي النساء من شرفة المقهى. أخيراً مرّت امرأة تبدو في الثامنة والثلاثين، تتمهّل بالمشي، وتنظر في كلّ الاتجاهات، كأنها تنتظر رجلاً قادماً من الريف.. أخفيتُ وجهي، وألغيتُ زرّ الإعجاب عن صورة امرأة تطهو الأرزّ بالقرنبيط الأخضر.

التعليق