شطحات مجتمع زهري اللون!

تم نشره في السبت 21 كانون الثاني / يناير 2017. 12:00 صباحاً

“إنتَ مش قادر تفهمني” .. يقول السائق للراكب، ويقول الطبيب للمريض، ويقول عامل المطعم للزبون المحتج على كثرة البصل في “سندويشة الشاورما”.
“إنتَ مش قادر تفهمني”  يقول الصحفي للقارئ، يقول المدرب للاعب الاحتياط، ويقولها شرطي السير للسائق الذي نسي حزام الأمان في البيت.
“إنتَ مش قادر تفهمني” تقولها الزوجة لزوجها في معرض شرحها لمزايا إبنة أختها، ويقولها الميكانيكي ليؤكد لك أن “الراديتر” لن يعيش يوماً واحداً إضافياً، ويقولها طفلك وهو يقنعك “ أصلا أفلام الأطفال أحلى من الأخبار اللي كلها كذب”.
يقولها المقاول وفني الأشعة وبائع السجّاد والحلاق واللحام، فتصير على قناعة حينها أنك حقاً لا تفهم شيئاً حولك، وأنك في متاهة من الألغاز، وأنك جزء من مجتمع مُتخيَّل، وليس موجوداً حقاً !
أنت ربما جزء من لعبة الكترونية خربت ! وإلّا فكيف تكون “مش قادر” الى هذا الحدّ فلا تفهم كل هؤلاء !
لا أحد يدخل الحديث معك ولديه استعداد أن يفهمك، كل ما لديه هو تصميمه وعناده وشراسته بأن يُقنعك : “إنتَ مش قادر تفهمني”.
هل سمعتَ خلال العشرين أو الثلاثين سنة الأخيرة شخصاً يقول لك “انا مش فاهمك .. من فضلك أقنعني”!
الكل يحتكر الفهم والحكمة، ومعصوم طبعاً عن قلة أو حتى سوء الفهم. وربما تشعر للحظات بأنك دخلت الى هنا بالخطأ !
المجتمع مثالي ولامع ولا أحد حتى يصاب بالرشح، كل ما في الأمر أنك “مش قادر” !
وكل ما قد تراه من جريمة أو فساد أو غش ونهب “غريب على عادات مجتمعنا”، ولا نعرف كيف دسَّه أحدهم ليلاً من تحت الباب !
كلهم مندسون تسللوا من شقوق المجتمع الحصيف، أو قفزوا عن سور الجنة النظيفة ولوثوا بأحذيتهم خشب الباركيه اللامع !
بخلاف ذلك، أقصد القلة القليلة من “المندسين”، الغريبين على تقاليد مجتمعنا، الذين “لا يفهموننا”، فإن الأمور على خير ما يرام، وكل شيء مرتبٌ على طاولات أنيقة. والمجتمع منتظم مثل سرب من الملائكة الصغار في حفل استقبال بزي موحد زهري اللون !
قد يخرج واحد من المدعوين فجأة عن طوره، عن اللحن المُعَدّ، عن “الفهم”، لكنه سرعان ما يتم قذفه فوراً من شباك الجنّة، تلاحقه نظرات الاستهجان : “ هذا طارئ على عادات مجتمعنا العربي الإسلامي الوطني المحلي اللذيذ.
مجتمعنا الأصيل النقي .. الذي نقَّيناه واحدا واحدا كما يُنقَّى العدس “ !
..
عليك أن تكون غبياً بما يكفي لكي تفهم.
و.. لكي تبدو جميلا وأنيقا ومرتبا في زيّك الزهري الفاتح !

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ايزيميزاك (أمين)

    السبت 21 كانون الثاني / يناير 2017.
    احدى الروايات الفرنسية والتي تحولت فيلماً فيما بعد لرجل بلا ظل و لكنه ذو مواهب و قوى تتفوق على جميع أبناء قريته، لطالما أراد ايزيميزاك أن يكون له ظل كباقي البشر و في سعيه الجاد لذلك حاز ظلاً في النهاية و لكنه خسر تفوقه و أصبح عادياً مثلهم.. المجتمع يريد منك النزول الى مستواه الجمعي " الأقل من متوسط" حتى يعدوك انساناً محترماً عادياً غير مختلف.. ففي قلوبهم جميعاً لعنة على المختلفين.