اتهامات للجان طبية بمنح تقارير معلولية غير واقعية.. ومطالبات بضبط العملية وتقييدها

مسؤولون سابقون: توظيف "متقاعدي المعلولية" فساد كبير

تم نشره في الثلاثاء 24 كانون الثاني / يناير 2017. 12:00 صباحاً
  • مبنى ديوان الخدمة المدنية بعمان -(تصوير: ساهر قدارة)

عبدالله الربيحات

عمان- اعتبر خبراء في تطوير القطاع العام، أن قرار عدم تعيين المتقاعدين الحاصلين على معلولية في الوظائف الحكومة هو قرار "صائب"، ومن شأنه وضع حد لحالات "الفساد غير المباشر"، التي كانت تمارس تحت بند "المعلولية"، سواء من قبل المتقاعدين أنفسهم أو من خلال جهات صحية ولجان طبية كانت تمنحهم تقارير "غير واقعية".
وفيما أكدوا أهمية إعادة النظر في تلك الحالات، طالبوا بضبط عملية منح تقارير المعلولية، وتقييد حالات الحصول عليها، خاصة وأن الكثير من الأمراض التي يتم منح المعلولية على أساسها، أصبحت تعتبر من "الأمراض الاعتيادية التي لا تستحق مثل هذا الإجراء".
وشددوا في احاديث لـ"الغد"، على أهمية "عدم التراجع عن القرار"، متسائلين "كيف يمكن لشخص تقاعد عن العمل أن يعود إلى عمله بعد حصوله على نسبة عجز تبلغ 90 %، ويتقاضى راتب معلولية".
ورأوا أن "ما يقوم به بعض المتقاعدين تضليل للمؤسسة أو الوزارة التي يعملون فيها، وهو بذلك يعتبر فسادا غير مباشر".
وفي هذا الشأن، أكد وزير تطوير القطاع العام الأسبق ماهر مدادحة لـ"الغد"، أن المعلولية تعرف بأنها "انتهاء قدرة عمل الإنسان في وظيفته"، أي انتهاء القدرات الجسدية لذلك الشخص، وبالتالي فإن إعادة استخدامه أو تعيينه في مؤسسة أو وزارة معينة يعد "تضليلا للمؤسسة أو الوزارة التي يعمل فيها، وهو بذلك فساد غير مباشر".
وقال إن هناك "كما هائلا من الفساد الذي يشبه المعلولية، لكننا نضحك على أنفسنا ونعطيه صفة مشروعة"، مبينا أن هناك "كذبة كبيرة اسمها المعلولية، يحصل عليها كبار مسؤولين مع أنهم لا يقعدون في بيوتهم بل يمارسون العمل، أحياناً في جهات حكومية، ويسمح لهم النظام بقبض راتبين من الخزينة، فيكون الشخص متقاعداً وليس متقاعداً في الوقت ذاته".
وأوضح أن "الذين يكتبون أنظمة التقاعد هم على أبواب التقاعد، ولهم مصلحة في زيادة الحقوق وكسب الشعبية، حيث يقال عادة إن المتقاعد أفنى عمره في خدمة الدولة، رغم أن كل المواطنين يفنون أعمارهم في خدمة البلد بطرق مختلفة، ولم تفرض الوظيفة على أحد، بل بالعكس هناك تنافس شديد ولجوء إلى الواسطة للحصول على الوظيفة التي يقبل بعضهم عليها لمصلحتهم الشخصية وليس حباً بخدمة الدولة".
وقال إنه "عند إعطاء شخص نسبة عجز نسبتها 90 %، فيعني ذلك أن هذا شخص يجب أن يلزم الفراش، ولا يجوز تعيينه، فكيف يعاد تعيينه".
بدوره، بين رئيس ديوان الخدمة المدنية السابق هيثم حجازي لـ"الغد"، أن نظام الخدمة المدنية "حدد الضوابط المتعلقة بالحصول على المعلولية بشكل جيد، لكن "توظيف المعلولية وتفشي ظاهرتها واستغلالها بشكل سلبي، يعود إلى سببين: الأول يتعلق بالجهات الصحية واللجان الطبية التي تمنح تقارير المعلولية، إذ إن غالبية توصياتها وتقاريرها الصادرة بهذا الشأن تفتقد إلى قدر كبير جدا من الدقة والموثوقية، وتحتاج إلى المزيد من التمحيص والتحقق".
وأضاف أن "الموظف يقوم بإعداد العدة للحصول على المعلولية وهو ما يزال على رأس عمله، ويقضي سنوات طوالا وهو يجمع التقارير الطبية وغيرها ليستخدمها عند حلول أوان التقاعد، لأن الحصول على المعلولية سيساعده في زيادة راتبه التقاعدي، أو على الإحالة على التقاعد في وقت مبكر، ولذلك يتطلب الأمر إعادة النظر في آلية حصول الموظف على المعلولية، وضبط عملية منح تقاريرها، وتقييد حالات الحصول عليها، خاصة إذا تذكرنا أن الكثير من الأمراض التي يتم منح المعلولية على أساسها أصبحت تعتبر من الأمراض البسيطة الاعتيادية التي لا تستحق مثل هذا الإجراء".
وأضاف: "أما السبب الثاني، فيعود إلى أن متخذي القرار في الحكومات، ورغم علمهم بأن المعلولية في أغلب حالاتها ليست صحيحة، لكنهم يقومون بإعادة تعيين بعض من حصل عليها، نتيجة ضغوط وتوسلات، وفي أحيان أخرى نتيجة علاقات شخصية بين متخذ القرار والمعلول، وبالتالي، فإن أصحاب قرار هم المسؤولون عن تفشي هذه الظاهرة السلبية وعن نتائجها التي تعتبر إحدى ظواهر ترهل القطاع العام وتدني مستوى أدائه".
وبين أن "القرار الذي اتخذه رئيس الوزراء بعدم إعادة تعيين المعلولين، قرار جريء وفي محله"، معربا عن أمله بأن "لا يتراجع الرئيس أو من يأتي بعده عن التمسك به، وأن يتذكروا دائما أن المعلول ليس هو فقط الوحيد القادر على حل المشكلات وتنفيذ المهام الصعبة، وإنما هناك أيضا أصحاء يمكنهم القيام بذلك".
وروى أحد المديرين في دائرة حكومية فضل عدم ذكر اسمه لـ"الغد"، قصته قائلا إنه عندما تمت إحالته على التقاعد في شهر أيلول (سبتبمر) 2012، وبدأ ينجز معاملاته التقاعدية، وجه له أكثر من مرة سؤال "ما بدك معلولية؟"، وكان جوابه "ليش معلولية صحتي الحمد لله زي الفل"، وكانت الردود "طيب انت شو خسران، قدم للمعلولية ومش رح تخسر شي".
وبين أن "أحد زملائه المتقاعدين قال له إنه يعرف طبيبا في مستشفى حكومي، وهذا الطبيب كتب له تقريرا أفاد فيه بأنه يعاني من ديسك في إحدى فقرات عموده الفقري، وكذلك في الرقبة، وهذا الديسك يضغط على الأعصاب ويعيق الحركة، في حين أنه لا يعاني من أي مرض، وزوده بصور الأشعة اللازمة، وبناءً على هذا التقرير حصل على 80 دينارا شهريا إضافيا بدل معلولية، فوق راتبه التقاعدي".
وقال إنه "لو تم احتساب عدد المتقاعدين الذين يحصلون على معلولية بدون وجه حق سيكون المبلغ هائلا، والمفارقة أن عددا كبيرا من المتقاعدين الذين يحصلون على معلولية يعودون ليمارسوا أعمالا حرة تحتاج إلى جهد أكثر من الوظيفة".
وكان النواب طالبوا بفتح ملف المعلولية، للوقوف على حقيقة هذا النوع من هدر الأموال بطريقة غير مشروعة، داعين الأطباء الذين يساهمون بذلك، أن يضعوا مخافة الله في ضمائرهم عند إصدار تلك التقارير المزيفة، التي تسهم في تضخم من مشكلة الفساد في البلد.
من جهته، أوضح رئيس ديوان الخدمة الدكتور خلف الهميسات، أن قرار رئيس الوزراء بعدم تعيين المتقاعدين الحاصلين على معلولية في الوظائف الحكومية تحت طائلة المسؤولية القانونية، صائب، مشيرا إلى أن "إعطاء أي موظف منحة معلولية يتم من خلال لجنة مشكلة لهذة الغاية، تحدد نسبة المعلولية".
وحول منح تقارير طبية لموظفين غير مصابين بأمراض، بين أن هذا الأمر يعود لوزارة الصحة، مطالبا بوقف بدل المعلولية عن الأشخاص الذين لا يستحقونها فورا.
وكان مجلس الوزراء ناقش خلال جلسته التي عقدها أول من أمس، برئاسة رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي، موضوع المتقاعدين الحاصلين على معلولية، حيث وجه الملقي بـ"عدم تعيينهم في الوظائف الحكومية وتحت طائلة المسؤولية القانونية".
ويأتي هذا القرار، في إطار بدء الحكومة تنفيذ توصيات مجلس النواب التي أثارها خلال جلسة إقرار الموازنة العامة للدولة للعام 2017.

[email protected]

التعليق