فاصلوا الحكومة!

تم نشره في الأربعاء 25 كانون الثاني / يناير 2017. 12:06 صباحاً

لم أعد أجد فرقاً بين أي "مول" تجاري وحكومتنا الرشيدة! ففي الصباح، يعلن "المول" عن عروض مذهلة؛ ثلاث علب فول بدينار... وفي المساء، تعلن الحكومة عن عروض مذهلة؛ "فيسبوك" و"تويتر" و"واتس أب" بدينار!
عندما أذهب لشراء أي شيء، أخجل من "المفاصلة". فمثلا، عندما يطلب التاجر ثمنا لشيء ما قيمته عشرون دينارا ، أقول له: "17 مليح". فيقول لي: "صدقني ما بتوّفي؛ خلص 18 علشان جيتك"، فأخجل وأدفع وأنصرف. ثم أجد لاحقا أن أحد الأصدقاء اشترى الشيء ذاته بمبلغ أقل بكثير مما دفعت!
في إحدى المرات، استعنت بصديق "بلوة في المشترى"، فذهبنا لشراء "جاكيت". دخلنا إلى المحل، وطلب مني صديقي أن أصمت؛ وأن كل ما هو مطلوب منّي أن أختار "الجاكيت" الذي يعجبني، ومن ثم سيقوم هو بمهمة "المفاصلة". وبالفعل، اخترت ما أعجبني، وكان السعر 40 دينارا. فقال صديقي للبائع: "شو معلّم.. كم رح تحسبلنا الجاكيت؟". رد التاجر: "علشان الشباب الطيبة 38". فقال له صديقي: "لا، بدّك تراعينا". قال التاجر: "خلص عمي، ما بدّي غير راس ماله، 36". فقال له صديقي: "لا، الخيرّ بقول وبغيّر، ورح تكسبنا زبائن". أجاب التاجر: "صدقني بايعك براس ماله... أما احكيلي إنته شو ببالك؟". قال صديقي: "8 دنانير... غيرهم مافي".
بصراحة، لم أحتمل الموقف، وفررت إلى خارج المحل. فقد توقعت أن يطردنا البائع، أو أن نمضي الليلة في المستشفى أو في مركز أمن الحسين، أو أن يصاب صاحب المحل بسكته قلبية؛ إذ حين قال له صديقي السعر الذي في باله، بدت على وجهه علامات الإحمرار، وضيق في التنفس.
وقفت خارجا وأنا أشعر بتأنيب الضمير بأنني السبب في إصابة ذلك التاجر بسكتة قلبية، أو قد أكون السبب في إصابة صديقي العزيز بكسر في الجمجمة؛ وبالتالي سأنال من الحب جانبا، كوني مضطرا للدفاع عنه. وانتظرت قليلا، فلم أسمع أي أصوات. وبعد خمس دقائق، نادى صديقي عليّ لأدخل المحل، فدخلت وإذ صديقي يقول لي: "خلص أعطيه 15 دينار". لم أصدق صديقي، إلا أن التاجر سارع بالقول: "معوّضين"، فدفعت له المبلغ وأنا مصدوم!
تذكرت تلك الحادثة وأنا أرى كيف تدير الحكومة الملف الاقتصادي بعقلية التاجر لا بعقلية الاقتصادي. فهي في البداية تقترح أن ترفع سعر لتر البنزين 7 قروش، ومن ثم تعود بعد أن تجد حجم الاستياء الشعبي لتخفيض المقترح إلى 3 قروش. وتقترح فرض ضريبة دينار على كل خط خلوي، ومن ثم تعيد الدراسة لتصبح دينارين على استخدام تطبيقات الهواتف!
ما الفرق بين ما يحدث في مطبخ القرار الاقتصادي من تسعير لأسعار السلع المنوي رفعها، وبين ما يحدث في الحسبة من تسعير لأسعار البندورة؟! لا شيء. واضح أن الحكومة لا تملك أي رؤية أو خطة مسبقة لمعالجة عجز الموازنة. وأنها لو وجدت مجلس نواب قويا وقادرا على أن يفهم عقليتها، لقالت: سبعة قروش على اللتر. ومن ثم يقول لها المجلس: قرش واحد. صدقوني أنها كانت ستقول: معوّضين!
فلا تخجل من حكومة لا تريد فقط سد العجز، بل تريد أيضا سد الرفاهية والترف!

التعليق