التشويه المتعمد للعلمانية.. المسلمون أكثر الناس في العالم بحاجة إليها

تم نشره في الثلاثاء 31 كانون الثاني / يناير 2017. 01:00 صباحاً


في الصراع على السلطة أو من أجل البقاء – غير الديمقراطي- يستخدم المتصارعون الأسلحة كافة، بالمعنيين الحرفي والمجازي، ضد بعضهم البعض. وكما هو حاصل الآن على أشده في الصراع الدامي أو حتى الإبادي في سورية، العراق، ليبيا واليمن... والصراع الكامن الذي ينتظر شرارة في كثير من البلدان العربية والمسلمة ليشتعل.
ولعل التشويه المتعمد لفكر أو أيديولوجية أو دين أو مذهب المخالف أو المختلف، أحد الأسلحة وأفتكها في الصراع، فالشيعة – مثلاً – يشوّهون فكر أو مبادئ السنة وتاريخ السنة (النواصب)، ويكفّرون الصحابة رضوان الله عليهم (راقب قناة العترة على سبيل المثال)، والسنّة يشوّهون فكر أو مبادئ الشيعة (الروافض) وتاريخهم، ويكفرونهم وإن لم يسيئوا قط إلى أي من الأئمة الاثنا عشرية... والشيوعية كانت تشوه الرأسمالية أيّما تشويه وتعتبرها نقيضاً لها يجب القضاء عليه، والرأسمالية كانت تقوم بالعكس، وهكذا.
منذ وقت ليس قصيراً والإسلاميون والإسلامويون يُنظّرون (بتشديد الظاء) ويعدون اتباعهم وأشياعهم لمعركة كسر العظم مع العلمانية والعلمانيين، باعتبارهما المعركة الأخيرة لهم، التي لا بد من كسبها للفوز النهائي بحكم إسلامي في العالم أو للعالم. وهم لذلك – للأسف- يشوّهون المفهوم، ولا يتوقف أوسعهم علماً أو أتقاهم ديناً لإجراء بحث علمي حوله ليقول للناس: ما العلمانية؟ وهل يوجد نوع واحد أو أكثر منها؟ وما الفرق بينها؟
إنهم - بدلاً من ذلك - يشوهون العَلمانية جملة وتفصيلاً.. ويجعلونها مرادفة للكفر أو الإلحاد، في تحريض سافر للأتباع والأشياع ضد كل من ينادي بها أو يدعو إليها، مع أنه لا علاقة للعلمانية بالكفر أو الإلحاد لأن كلاً منهما شكلٌ من أشكال الاعتقاد الديني، أو اللاديني الذي لا يعترف بوجود خالق أو مدبر لهذا الكون.
العَلْمانية يا سادة يا كرام (بالفتحة على العين والسكون على اللاّم) مشتقة من العلم أو العالم، وهي فلسفة أو وجهة نظر "سياسية أخلاقية" تتعلق بنظام الحكم في الدولة.
وتقوم على "ضمان" حرية الاعتقاد أو الدين لجميع المواطنين، وأن مهمة النظام/ الدولة المحافظة على هذه الحرية وبحيث يتمتع الجميع بأقصى درجات الأمن والأمان في أديانهم ومعتقداتهم وطقوسهم. بمعنى أنه يجب على نظام الحكم/ الدولة أن لا ينغمس في الشؤون الدينية، وأن لا يسيّس الدين أو يديّن السياسة، دون أن يعني ذلك حرمان رجال الدين من مناقشة الشؤون العامة على أساس أنهم مواطنون. العلمانية ديمقراطية أو حرة بطبيعتها، تدعو الجميع لاحترام معتقدات وأديان ومذاهب الجميع ليبقى الفرد آمناً والمجتمع موحداً والمصالح المشتركة قوية ومزدهرة.
لقد ذهب أحد مفكري المغرب إلى القول بوجود علمانية إلغائية أو إقصائية للدين. وقد استشهدت بها أكثر من مرة لأتبين فيما بعد أنه لا توجد مثل هذه العلمانية أصلاً، وأن المقصود به هو الديكتاتورية الفردية أو الحزبية أو الشمولية التي تضطهد انتقائياً فئة ما أو ديناً ما أو مذهباً ما... لا توجد سوى علمانية واحدة وهي العلمانية الديمقراطية أو العكس. وعليه يمكن وصف أي دولة بالمدنية إذا لم تكن عسكرية، ولكن لا يمكن وصفها بالعلمانية ما لم تكن مدنية أو ديمقراطية أيضاً.
تذكّر كمسلم أو كإسلامي أو كإسلاموي وفكّر أنه يوجد ملايين غير المسلمين في بلاد الأكثرية المسلمة، ونحو خمسمائة مليون مسلم في بلدان غير مسلمة، مما يجعل المسلمين أشد الناس حاجة إلى العلمانية الديمقراطية أو الحرة . كما يوجد مئات الملايين من العلمانيين الديمقراطيين أو الأحرار في أوروبا وأميركا واليابان وأستراليا... لا يقبلون للدولة العلمانية الديمقراطية بديلاً، مع أن كثيراً منهم مؤمنون بأديانهم ومذاهبهم ويمارسون طقوسها. كما يوجد ملايين آخرون في نظر الأسلاميين والأسلامويين كفار أو ملحدون، ولكنهم يؤمنون بالدولة العلمانية الديمقراطية المحترمة لجميع الأديان والمعتقدات والمذاهب.
لولا العلمانية الديمقراطية أو الحرة ما وصل المسلمون إلى أوروبا وأميركا وما بقوا فيهما يقيمون المساجد والمراكز الإسلامية في عواصمها ومدنها وقراها بحرية لم يحصلوا على مثلها في بلدانهم. لقد أصطفّ مئات السويديين العلمانيين حول جامع في السويد لمنع هدمه، بينما يقوم المسلمون في بعض البلدان العربية بالفتك بالمسيحيين وحرق كنائسهم دون أن ترى أحداً أو جمهوراً من المسلمين يدافع عنهم وعنها، فهل يريدون الانقلاب على النظم العلمانية الديمقراطية أو الحرة المضيفة لهم ليُجتثوا أو يُطردوا؟ المنطق والمصلحة تتطلب منهم احترام هذه العلمانية الديمقراطية التي استقبلتهم وأطعمتهم من جوع وآمنتهم من خوف وعلمتهم وشغّلتهم وأوصلت كثيراً منهم إلى المراكز العليا في الدولة والدفاع عنها، وإلا كانوا خونة.
ولمّا كان الأمر كذلك فإن الموضوعية والمصداقية الدينية تقضي عدم التحدث عن العلمانية والكفر والإلحاد كمترادفات، وإلا كان الفاعلون جهلة أو همجاً هدفهم التحريض للقتل والتفجير. لطالما وضحنا هذا الأمر ولكن كثيراً من المتعصبين لا ينصتون ولا يقرأون ولا يفكرون، وكأن الواحد منهم "حيط" لأنه يقوم في اليوم التالي بشن هجوم ظالم على العلمانية والعلمانيين.
"ومن البلية عذل من لا يرعوي        عن جهله وخطاب من لا يفهم"
يستمرون في تشويه العلمانية مدعين أن العلمانيين إن حكموا سيمنعوننا من الصلاة والصوم والحج وأداء الزكاة... وأنهم سيضعون المؤمنين في معسكرات اعتقال على غرار سجن أبو غريب في العراق، أو معسكر غوانتانامو في كوبا. ويخلقون نوعاً من الهستيريا ضد العلمانية الديمقراطية أو الحرة مع أنها أعظم حامٍ لحرية الدين والمعتقد إيماناً وتبشيراً.
العلمانية الديمقراطية يا سادة تحمي حرية الضمير وحرية الدين... العلمانية توحد الشعب المتعدد الأديان والمذاهب، وتحافظ على المصالح المشتركة لجميع فئاته. وإن إدراك ذلك أو فهمه على وجهه الصحيح هو أعلى مراحل النضج السياسي عند الفرد والمجتمع.
أقول أقوالي هذه واستغفر الله لي ولهم إن كنا مخطئين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »رائع واكثر من رائع (عمر)

    الثلاثاء 31 كانون الثاني / يناير 2017.
    احسنت قولا وصياغة يا سيدي .. اتمنى ان تصل الرسالة
  • »ولكن (أمين)

    الثلاثاء 31 كانون الثاني / يناير 2017.
    أستاذنا العزيز..
    أولاً: في تعريفك للعلمانية فقد اخبرتنا انها لا تحرم رجال الدين من مناقشة أمور العامة،تمام، ولكن هذا لا ينطبق على الدين الاسلامي فليس في الاسلام رجال دين.. و العلمانية تؤدي بتكوين طبقة رجال دين و هو الحاصل الان في دول مسلمة كثيرة تحكم علمانياً دون اعلان ذلك بوجود طبقة "كهنوت" اسلامية الصبغة.
    ثانياً.. فقد ضربت لنا نماذج غربية علمانية ضمنت للمسلمين " أعداء العلمانية " حرية المعتقد لا بل و أزيدك أنها ضمنت لهم الدعوة، أتفق معك تماماً، و لكن هذا لا يعني أن الدول التي تدين بالاسلام سينطبق عليها ذلك، لا يمكن مساواة دور الكنيسة في اوروبا بدور المسجد في بلادنا حتى فيما مضى، و أيضاً فان الخلاف هاهنا يكمن أصلاً، فأعداء العلمانية يا سيدي يؤمنون و يوقنون بناءً عل قرآنهم و أحاديثهم بأن هذا الدين انما هو دين الحق و دين الرسل أجمعين هو رسالة رب الناس لتنظيم شؤون حياتهم فهو أدرى بمن خلق، و ليس لك أن تصادر قناعتهم و يقينهم المتجذر، هم بذلك لا يسمعون الى" الاسلامويين" كما وصفت ولكنهم يقرأون كتاب ربهم و يؤمنون بالثوابت.
    ثالثاً.. كنت أربأ بك و انت التربوي المخضرم بأن تصف أعداء العلمانية بما قد وصفت : " فهم جهلة همج لا يقرأون ولا يفكرون... ثم ختمتها بكلمة حيط". يومياً أقرأ و كثير ممن أعرف هم قارؤون بنهم مفكرون و مثقفون ، يؤمنون بأن العلمانية تصلح لدول غير مسلمة و لا تصلح للدول المسلمة ايماناً راسخاً بأن الاسلام دين الله الحق، لن تغير معتقدهم هذا ما حييت أستاذي ، و لهم عليك حق بعد أن كلت لهم كل تلك التهم ..
  • »العلمانية توحد البشرية (خالد)

    الثلاثاء 31 كانون الثاني / يناير 2017.
    مقال رائع، نحن بحاجة ماسة لأن يكتب المزيد من الكتاب والمثقفين عن العلمانية لإيضاح حقيقة العلمانية وكشف التشويه المتعمد الذي تعرضت له العلمانية ممن يريدون للاستبداد ان يستمر في بلادنا.
    في اعتقادي أن ما نشهده من حروب مذهبية بين الشيعة والسنة ستستمر إلى ما لا نهاية إن لم يتفق المواطنون على أن الدولة يجب أن تكون علمانية.
    وكما تفضلت فإنه يمكن للإنسان أن يكون علمانيا ومسلما في ذات الوقت. الشيعي العلماني الحقيقي لا يكره السني أبدا بل يحترمه ويحترم حريته في ممارسة طقوسه. كما أن السني العلماني لا يكره الشيعي أبدا، بل يحترمه ويحترم حريته في ممارسة طقوسه، وليس كما كان يحصل في العراق أيام صدام حسين حين كان الشيعة يُمنعون من الاحتفال بيوم عاشوراء على حد علمي.
    العلماني قد يكون مسلما أو مسيحيا أو يهوديا أو بوذيا. العلمانية توحد الإنسانية. العلماني المسلم يؤدي فروضه الدينية كغيره من المسلمين الملتزمين، ولكنه في نفس الوقت لا يُحاول إجبار الآخرين على تأدية فروضهم الدينية أو يكرههم لأنهم لا يؤدونها كما هو حال المسلم المتعصب الذي نراه في مجتمعاتنا الحالية.
    عندما تسود العلمانية في المجتمعات العربية سيسود السلام فيها لأنه عندئذ لن يخاف الشيعي من السني أو السني من الشيعي. وكذلك لن يخاف العلوي من السني أو السني من العلوي.
    هناك من يقولون إن صدام حسين وحافظ الأسد وبشار الأسد علمانيون، والحقيقة أن هذا غير صحيح إطلاقا. هم في الحقيقة لا يمتون إلى العلمانية بصلة، لأن العلماني الحقيقي هو إنساني أولا، ولكن هؤلاء القادة لم يحتلاموا الآخر، بل هم نتاج ثقافة لا تحترم الآخر المختلف وإنما تعاديه وتخشاه، وبالتالي اعتمدوا في الحكم على أبناء طائفتهم، وأقاموا في واقع حكومات طائفية، وهم ساهموا في ما نراه حاليا من حروب أهلية.