نادر رنتيسي

"صاحب صاحبي"

تم نشره في الأربعاء 8 شباط / فبراير 2017. 12:00 صباحاً

إذا فقدتُ الثقة بذاكرتي محدودة السعة، وخانَتْني شهادَتي العلمية العالية في ترتيب تعاقب الفصول، وفاتني نوع الحبِّ الذي كان سائداً في زمن الحرب العالمية الثانية، وإنْ أردتُ معرفة فوائد اجتماع "العسل" مع "الحليب" و"الموز" في كوبٍ واحد، وكان ملحاً لي في لحظة ما استعادة التفاصيل الدقيقة لأنوثة "سلمى حايك"، وإذا خذَلتْني ثقافتي السطحية في تحديد الاسم الثلاثيِّ لـ"محمد مرسي"، والبلد الذي كان يُفترض أن يستضيف مونديال 86، وإذا أخطأتُ في عنوان بيتي، ونسيتُ مكان اصطفاف سيارتي، فإنَّني أمام خيار وحيدٍ لا خيارات له: "غوغل"!
هو رجلٌ طيِّبٌ و"غانِم" و"خدوم"، و"صاحب صاحبه"، والذي في قلبي يكون دائماً على لسانه، فإذا كتبتُ كلمة ناقصة، واحترتُ في إكمالها، يُعطيني خيارات بما أفكِّرُ بالبحث عنه، وإن حسمتُ أمري، واخترت واحداً من احتمالاته، فإنه مثل عمٍّ أصيلٍ يسألني إنْ كنتُ أقصد هذا فعلاً، وإنْ أكَّدْتُ له ذلك، وتصفَّحتُ خياراته، وجدتُ في نهاية إحدى الصفحات ملاحظة لحوحة، كتلك التي تطرحها عادة عمَّةٌ على ابن أخيها قليل الكلام: يبدو أنَّكَ كنتَ تقصد..؛ ويضعُ أمامي ما كنتُ أنوي البحثَ عنه!
وهو "شهمٌ" و"فدائيٌّ" و"رجل المواقف الصعبة"، فعندما أكونُ في سجالٍ فكري افتراضي، مع طالبةٍ يساريَّةٍ صعبَةِ المزاج، تزجُّ بمصطلحات سياسية غريبة النطق، فأردُّ عليها بصخب موازٍ، حتى تصِفَني بـ"الراديكالي"، ولا أعرف ما أردُّ به على الفور، لكنني استأذنها دقيقتين لأردَّ على مكالمةٍ لحوحة، ثمَّ "غوغلت".. "الراديكالية"، فأخبرَني العم "غوغل" أنَّها فلسفة سياسية تبحث عن مظاهر الظلم لتجتثَّها، فابتهجتُ لأنَّ الطالبة اليسارية لم توجه لي شتيمة، كما اعتقدتُ لدقيقتين، ثمَّ وجَّهتُ لها بالمقابل صفة "البراغماتية"، ولم يكن اختياراً عبثياً، بل استقيته من مجريات الحوار، وما وفَّرَه لي "ويكيبيديا" من إسناد!
و"أبو عيون جريئة" هو أيضاً، يروي مزاجي الوقح بالصور، وبالفيديو إذا توفَّرت لديَّ النية الصادقة، ويشبعُ فضولي بقصص الخيانات الزوجية المسلية، وهو "حلو وكدَّاب" قد يخبرني بمعلومات كاذبة، أو مضللة، مع إدراكه لرغبتي بالتصديق، وهو "أمين"، يمكنُ أنْ يكشف سرقة أدبية، و"رفيقُ سوء" يمكنُ أنْ يحرِّضَ عليها، وهو "الخصم" إنْ هجرته إلى "محرِّكٍ" آخر، و"الحكم" إنْ عدتُ إليه لحسم جدلٍ مع صديقي الثرثار حول "نشأة الكون"؛ وهو، وأعوذُ بالله من كلمة هو، "كامل الأوصاف"!
إذا سألتني حبيبتي المتثاقفة إنْ كنتُ قرأتُ كتاب "سيمون دي بوفوار"، سأطلبُ منها الصمتَ قليلاً، ريثما أرسل رسالةً مؤجلةً من هاتفي، آنَ أوانُها، لكنَّني أكونُ أفتح من هاتفي شديد الذكاء صندوق "غوغل" السحريِّ، أكتبُ اسم الرواية "الفاضح"، وأنتظر ثواني لا تكفي لعودة الرِّمش إلى الرِّمش، حتى أقولَ بعد دقيقة تكفي لعقد الحاجبين، وإطباق الشفتين مع إبراز السفلى، وإغماض العينين كمنْ يعودُ إلى ما وراء الوراء: "بالطبع قرأته مرَّات عدة، بأكثر من ترجمة"، وقد أسكتُ قبل أنْ أقولَ بانكسار عاطفيٍّ مفاجئ: "ولولاه لما أدركتُ سرَّ أسطورتكِ"!
كنتُ قبل "زمن غوغل" لما أنسى اسماً شائعاً للوطن، أو أحتار في تحديد اللون الرابع من ألوان العلم، ويسقط عن لساني المقطع الثاني من النشيد، وأتردَّد في الإجابة عن سؤال فتاة ثورية عن فضائل "الثورة البلشفية"، ولا أعرف على وجه الدقة متى بدأت الحرب، وأين انتهت بالتحديد، وأقفُ أخرقَ لا يسندني بيت عابرٌ من الشعر أمام الكحل الربّانيِّ في عيني حبيبتي..؛ كنتُ أجهلُ، أصمتُ ثواني تكفي لعودة الرِّمش إلى الرِّمش، قبل أن أدلي بإجابة صادقة وإنْ تضمَّنت خطأ شائعاً.

التعليق