ذوو إعاقة.. يعيشون أسيري تصرفات أناس تقصيهم عن المجتمع!

تم نشره في الاثنين 13 شباط / فبراير 2017. 01:00 صباحاً
  • يعاني ذوو إعاقة على اختلاف فئاتهم من التمييز في مجتمعهم - (ارشيفية)

ربى الرياحي


عمان- تصرفات مزعجة تتعرض لها الثلاثينية آمال أحمد بسبب إعاقتها البصرية التي ترافقها منذ الولادة، تلك التصرفات تؤثر فيها لدرجة أنها تختار أن تنعزل عمن حولها، وبخاصة أولئك الذين يجهلون حجم الوجع الذي يسببونه لها ولأقرانها من ذوي الإعاقة من خلال أسئلة وكلمات قد تكون عفوية لا يقصد أبدا منها الإحراج. لكنها من وجهة نظرها، هي تصرفات قاسية تؤذي مشاعرها.
وتذكر من تلك المواقف موقفين تتعرض لهما باستمرار؛ الأول يتعلق بحضورها للمناسبات الاجتماعية واللقاءات العائلية التي تحرص على المشاركة فيها رغم أن بعض الأشخاص ممن يستغربون من وجودها ويتجنبون في المقابل التعامل معها، يكون لقلة وعيهم أو لأنهم ينظرون إليها على أنها من عالم آخر.
يلجؤون بدون أن يشعروا إلى تهميشها وعدم الحديث معها، حتى قد يصل بهم الأمر بهم إلى التجاوز عنها في السلام الذي يتبادلونه فيما بينهم، كل ذلك يجعلها تنفر ممن حولها وتستسلم لأفكارهم وتصوراتهم الخاطئة عن الإعاقة بدون أدنى محاولة لتغييرها.
أما الموقف الثاني، فهو باختصار عبارة عن أسئلة مهينة تنتقص من قيمة ذوي الإعاقة، وخصوصا البصرية منها تلاحظها هي أثناء تعاملها مع المحيطين بها. تقول "يسيئني كثيرا استهتار البعض بمشاعرنا وتحديدا عندما يسمحون لأنفسهم بأن يوجهوا لنا أسئلة فيها استهانة واضحة بقدراتنا: إنتوا كيف بتلبسوا؟ كيف بتاكلوا؟ لا يفكرون أبدا بوقع تلك الأسئلة على نفسياتنا".
ويعاني ذوو إعاقة على اختلاف فئاتهم من التمييز ونظرة دونية تحاصرهم غالبا، وتحرمهم من أن يتعاملوا بشكل طبيعي ومتوازن كغيرهم بعيدا عن كل تلك التصرفات الجارحة والمستخفة بمشاعرهم، ما ينقصهم حقيقةً ليكونوا متواجدين في الحياة هو الشعور بالاحترام في البيت، في الشارع، في العمل، في كل المواقع التي من الممكن أن يشغلوها. هم فقط بحاجة إلى أن يتساووا مع من حولهم في الحقوق والواجبات رافضين تماما أن تهان كرامتهم حتى لو لم يقصد ذلك بل كان نتيجة تخوف وقلة وعي من المحيطين بهم.
خالد سعيد الذي يتعرض دائما للسخرية والتعليقات القاسية بسبب إعاقته الحركية من بعض الأشخاص السلبيين، يقول إن الكثيرين ممن يعرفهم يتهمونه بالحساسية المفرطة، مرجعا سبب ذلك إلى قرار العزلة الذي يتخذه كلما سمع تعليقا قاسيا أو سؤالا فيه انتقاص من قيمته كإنسان لديه وضع خاص. ويتابع "مؤلم جدا عندما يستخف الآخر بمعاناتك ويحاول أن يتناولها باستهزاء قد يكون عفويا لكنه حتما سيتسبب بإحداث وجع من شأنه أن يقلب حياتك رأسا على عقب، ويغرقك أكثر بالوحدة".
ويقول "تماما كما هو حاصل معي، فأنا أتأثر كثيرا من بعض التصرفات التي تصدر عن أشخاص مقربين لي وبخاصة عندما يشرعون بالتهكم على شخص مشابه لحالتي يعاني من العرج ينسون أن لدي الوضع نفسه!".
ويبين أن تصرفهم بهذه الطريقة الخالية من الإنسانية يؤذيه نفسيا ويضطر لمقاطعتهم نهائيا والابتعاد عن جلساتهم، لأنهم يجهلون فعليا وقع تلك التصرفات غير الواعية على نفسية الأشخاص من ذوي الإعاقة وما قد ينتابهم من مشاعر سلبية بإمكانها أن ترغمهم على الاستسلام والانزواء عن عالمهم الخارجي.
ويرى الاختصاصي الأسري د. أحمد سريوي، أن الذكاء العاطفي هو قدرة الشخص على فهم مشاعر الآخرين واستيعابها ومن ثم التعامل معها، فحين يمر على ذوي إعاقة ولا يسلم أو لا يهتم فهو بهذه الطريقة ترك جرحا في نفس الآخر.
وقد يكون تصرفه نابعا من تكبر أو غرور، وقد تكون التنشئة التي تربى فيها هذا الشخص قائمة على مبدأ التفريق بين طبقات المجتمع وأصناف الناس، أو قد يكون سلوكا اكتسبه بعد سنوات حياته. أما مبدأ الذكاء العاطفي وتطبيقاته فتخلق انسجاما في التكوين المجتمعي بنبذ التكبر والغرور وانصهار الطبقات الاجتماعية في بوتقة الأخلاق وحسن التعامل مع الآخر.
ويوافقه الرأي أبو عمر كونه يعيش التجربة نفسها مع ابنته مها التي تعاني من صعوبات في النطق. ويؤكد أنه ما يزال هناك أشخاص في المجتمع ينظرون إلى الإعاقة على أنها ضعف واستسلام وإقصاء. يقول إن ابنته تفضل الانطواء وعدم التحدث مع من حولها، وذلك بسبب قسوة البعض معها ولجوئهم لتسكيتها كلما أرادت أن تشاركهم أطراف الحديث وتتناقش معهم في المواضيع التي يطرحونها. رغم أنها تحاول من خلال ذلك أن تثبت لهم أنها قادرة على التعبير مثلهم. لكن إصرارهم على التعامل معها بجهل وتهميش يجعلها تختار الصمت رغما عنها، معتقدة أنه باختيارها هذا ستضع حدا لكل من يحاول ولو مجرد تفكير أن يسخر منها ومن إعاقتها وتقليدهم لطريقتها في الكلام، معتبرين تصرفهم الموجع هذا من أنواع التسلية وطريقة جديدة لإضحاك من معهم بدون أن يأخذوا في الحسبان مشاعر هذه الفئة وكمية المرارة التي ستتسلل إلى دواخلهم بعد أن يفقدوا تماما حقهم في الاحترام.
ويؤكد الاختصاصي النفسي، د. موسى مطارنة "أن ذوي الإعاقة هم أشخاص يعانون من مشكلة، وهم مختلفون باحتياجاتهم وحساسيتهم وحالاتهم النفسية، فمن يعاني من إعاقة عقلية، يكون عمره العقلي بمثابة عمر طفل، فما يزعج الأطفال يزعجه، ولذا يجب التعامل معه بنفس المقدار والاهتمام".
مضيفا "ان صاحب الإعاقة السمعية يختلف تماما، فهو شخص حساس لأي حديث يدور بدون أن يفهمه أو يوضح له.. حساس لأي نظرة، وبالتالي يكون التعامل معه بحذر ودقة".
ذوو الإعاقة البصرية يمتازون بذكاء حاد ولديهم قدرة عالية على الإحساس بكل ما يدور حولهم، وبالتالي يستطيعون أن يلتقطوا إشارات معينة، لذا ينبغي الانتباه في التعامل معهم.
ويشير إلى أن الإعاقة الحركية بحاجة للرعاية والاهتمام والحماية وبالتالي صاحبها يتألم كونه لا يستطيع القيام بواجباته كاملة كالآخرين، يجب التعامل معهم أيضا بحذر في كلماتنا وسلوكياتنا، دائما نمنحهم الدعم النفسي، نحرك القوة الكامنة داخلهم.
ويبين أن أي إحساس بالإهمال يسبب لهم حالة من الانطوائية وعدم اهتمام المجتمع بهم، وأن لديهم نقصا، وبالتالي هم بحاجة دائمة للتعامل بلطف وحب واحترام، دائما لا نشعر بأن لديهم حالة من الإعاقة لأن ذلك يجرح أحاسيسهم وقد تتولد منه ردات فعل سلبية قد تسبب لهم ثورات عصبية وحالات من التوتر الشديد.
ويؤكد هؤلاء جميعا أنه يجب أن يأخذوا حقهم في المجتمع، والشعور بوجودهم وأهمية دورهم.. فهم يمتلكون إبداعات وقدرات عالية.
ومن جهته، يشير الخبير الاجتماعي الدكتور حسين الخزاعي، إلى أن السلوكيات المزعجة من قبل بعض الأشخاص تجاه ذوي الإعاقة للأسف تذكرهم بإعاقتهم التي كانوا قد تعايشوا معها واندمجوا في المجتمع وأثبتوا وجودهم وقدراتهم وتحديهم لها.
ويقول الخزاعي "إن بعض ذوي الإعاقة ينزعجون من هذه التصرفات ويلجؤون للعزلة من باب العتب على هؤلاء الذين ما تزال نظرتهم تجاه ذوي الإعاقة نظرة نمطية".
ويضيف أن بعض الأفراد يلجؤون للتعليق والاستهزاء أو السخرية من ذوي الإعاقة كون ذوي الإعاقة حققوا نجاحات أفضل منهم لهذا يسعون إلى إحباطهم.
ويشدد الدكتور الخزاعي على ضرورة التعامل مع ذوي الإعاقة على أنهم أفراد عاديون في المجتمع، وعدم النظر إلى الإعاقة والنظر إلى الإنجاز والإبداع الذي يحققه ذوي الإعاقة في مختلف المجالات.

life@alghad.jo

التعليق