وباء العزلة الاجتماعية

تم نشره في الأربعاء 15 شباط / فبراير 2017. 12:02 صباحاً

تشير الدراسات إلى أن ما يقربُ من نصف عدد كبار السن في الدول الغربية يعيشون  في عزلة، وأن معظمهم يقضون أياماً طويلةً من دون التواصل مع أحد. وهو ما حدا بالعلماء والباحثين إلى القول إنّ العزلة الاجتماعية أصبحت وباءً يتسعُ باطراد في هذه الدول. فانحسار العائلة الممتدة مطلع القرن الماضي، والذي تبعه انحسار العائلة النواة، وتزامنه مع زيادة معدل عمر الإنسان، دفع  بالكثيرين إلى مواجهة سنواتهم الأخيرة في وحدةٍ قاتلة.
نوغلُ في العمر، ويهنُ منّا العظم، ونصبح عالةً على غيرنا، ونتساءل نهاية اليوم: ما الذي قد يجعل لحياتنا ووجودنا معنى؟!
تقول نظرية التحفيز البشري: إن الحاجات البشرية عادة ما تكون هرمية؛ تشغل القاعدة منها احتياجاتنا الأساسية التي تؤمن لنا البقاء والسلامة، تليها صعودا الحاجة إلى الشعور بالحب والانتماء للمكان والزمان، ثم الحاجة إلى الارتقاء، وتحقيق الأهداف المنشودة. أما قمة الهرم، فتشغله الحاجة إلى تحقيق الذات، بالسعي إلى المثالية الأخلاقية لذاتها!
لكن دوافعنا لممارسة العيش في هذه الحياة غير ثابتة، وتتغيّر مع الوقت. ومع تقدمنا في العمر، فإن كنّا نسعى في شبابنا إلى تحقيق الذات وتوسيع مداركنا، ومراكمة خبراتنا، والإسهاب في بناء شبكاتنا الاجتماعية، بالتعرف إلى أُناس جُدد، فإننا مع تقدمنا في السن نبدأ بالانكفاء على ذواتنا، ونحاول تقليص علاقاتنا الخارجية، ونتحوصل في الإطار الضيق لمفهوم العائلة التي نرجعُ إليها كما لو كنّا أطفالاً، ويصبح الحاضر هو أكبر همّنا، بينما يبدأ الاهتمام بالمستقبل بالتضاؤل. فالشيخوخة نكسةٌ قوية تعيدك إلى الطفولة، وردّةٌ إلى الوهن، والشعور باقتراب الأجل والاستسلام "لخيانة الجسد"، بما يعيد ترتيب أولوياتنا ورغباتنا. وغالباً لا تتعدى هذه الرغبات الراحة والمواساة والرفقة والحب، وعدم تركنا فريسة للوحدة التي تفتك بنا على هواها.
فمع تقدّم الانسان في العمر، تبدأ الدائرة من حوله تضيق، ويزاول حضور جنازات الأصدقاء بانتظام؛ الأصدقاء الذين يبدأون بالتناقص. كما أن قابليته لبدء صداقات جديدة تتضاءل. عندها، يتعزز إحساسه بالوحدة والعزلة. وهذا كله يحدث في عالمنا الذي قد نبدو فيه أكثر قرباً في العالم الرقمي، بينما تكبرُ المسافات بيننا في العالم الحقيقي.
غني عن الذكر أن العزلة تؤدي إلى العديد من الأمراض النفسية، مثل الاكتئاب، والأرق، والتوتر، ومحاولة الانتحار. لكنها أيضا تسهم في زيادة حدة الكثير من الأمراض الجسدية؛ كالضغط، وأمراض القلب، والجلطات الدماغية، مما يؤدي إلى الوفاة. فقد أظهرت بعض الدراسات تداخل الآلية التي يتعامل من خلالها الدماغ مع الألم الجسدي، والألم الناتج عن العزلة الاجتماعية، وأنّ كلا الألمين يغذي أحدهما الآخر. فالألم الاجتماعي يغذي الألم الجسدي، وبالتالي يزيد في حدته، وهذا ما يفسر أيضا تفضيل الإنسان للألم الجسدي على العزلة الاجتماعية فيما لو تسنى له أن يختار بينهما.
قد يعتقد البعض أن هذه المشكلة خاصة بالغرب. لكن التغير الذي بدأنا نلمسه في علاقاتنا الاجتماعية، والظروف الاقتصادية الضاغطة، والزيادة المطردة في أعداد كبار السن في بلداننا، يشي بتغير واضح وشيك في بنيتنا الاجتماعية، ستؤدي حتما إلى نتائج مشابهة لتلك التي تشهدها الدول المتقدمة ولو بعد حين.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كلام منطقي (فؤاد)

    الاثنين 20 شباط / فبراير 2017.
    شكراً على تسليط الضوء على هذا الموضوع الهام الذي بدأ بالفعل في غزو مجتمعاتنا