د.باسم الطويسي

رأي عام أم شعبوية أردنية؟

تم نشره في الاثنين 20 شباط / فبراير 2017. 12:05 صباحاً

يبدو من الواضح اليوم أن الرأي العام الأردني بات يتشكل بطرق مختلفة عما كنا نعرفه سابقا؛ كما أن استجابة الحكومات لاتجاهات الرأي العام تغيرت هي الأخرى، فأصبحت سرعة هذه الاستجابة أكثر مما كنا نتوقع. ومن دون شك، تُعدّ أدوات الاتصال وشبكات الإعلام الاجتماعي وتطبيقات الهواتف الذكية، المحرك اليوم لنمط من شعبوية أردنية جديدة، تقترب في مرات من مفهوم الرأي العام الراشد، وتبتعد كثيراً في مرات أخرى، تحت تأثير الإثارة والشعارات البراقة والأحكام المسبقة والصور النمطية، كما قوة الأقليات الصارخة على الشبكة. وهو ما يتطلب تفكيرا جديدا في آليات تعاطي الحكومات والمؤسسات مع هذه الظاهرة.
خلال أسبوع واحد، جاءت استجابة الحكومة ومؤسسات عامة سريعة وغير متوقعة على حملات قوية أدارها نشطاء "فيسبوك" وتطبيقات الهواتف الذكية بشأن ثلاث قضايا. القضية الأولى، تعيين مدير عام لشركة الخطوط الملكية الأردنية. إذ سرب نشطاء كتباً رسمية صادرة عن مجلس إدارة الشركة باستحداث هذا المنصب. وفي سابقة لا تتكرر كثيرا، كشف مصدر حكومي أن رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي رفض قرار مجلس  إدارة "الملكية" باستحداث منصب "المدير العام"، كما الترشيح لشاغل الوظيفة.
القضية الثانية في الأسبوع نفسه كان تسريب نشطاء "فيسبوك" قرار صرف مبلغ مئة ألف دينار صادر عن سلطة العقبة الاقتصادية الخاصة لتنظيم حفلة للموسيقار العالمي "ياني" في مدينة العقبة. ورغم أن هناك الكثير من المبررات المقنعة التي قدمتها "السلطة" في بيانها التوضيحي لكل من يعلم دور هذه الفعاليات في صناعة السياحة، فإن المفاجأة كانت رضوخ السلطة للحملة القوية، فأعلنت إلغاء الحفل.
في الأسبوع ذاته أيضا، وجدت وزيرة السياحة نفسها مضطرة إلى الاعتذار عن واقع خدمات النظافة في المواقع السياحية، بعد رسالة فيديو تم تداولها لسائح أميركي طالب فيها الجهات المعنية في المملكة بتحسين دورات المياه والمرافق في المواقع الأثرية والسياحية. وطبعا، قصة نظافة المواقع السياحية ومدى توفر مرافق صحية فيها، هي قصة طويلة وقديمة جديدة، ورد الفعل ليس لأن الرسالة جاءت باللغة الإنجليزية؛ فهناك الكثير من الرسائل التي وصلت مسؤولين كبارا من سياح أجانب من العيار الثقيل، لكنها ذهبت في غياهب الإجراءات البيروقراطية. السر اليوم يتمثل بقوة الانتشار والتأثير؛ في حالة المزج بين الشعبوية والرأي العام.
الظاهرة الجديدة ما تزال في مرحلة التشكل، وتعد عيونا جديدة للمجتمع؛ أي أداة للمساءلة وأداة لبلورة الرأي العام وحضوره في مراقبة أداء الحكومات والنخب. وهي في الوقت نفسه عيون قد يغلبها الغباش. وهي ظاهرة قد تطلي عيون الناس بالغشاوة وتحولهم إلى قطيع. الرأي العام الأردني يتغير، وأصبح أكثر حساسية ومطواعا للتأثر بوسائل الإعلام الجديد؛ والحكومات هي الأخرى أصبحت "فيسبوكية" أكثر من اللازم.
لا يمكن وقف أو تنظيم هذا التحول الاتصالي الكبير، وما يرافقه من تحولات اجتماعية وسياسية. كل ما يمكننا عمله هو أن نرشّد استجابة الناس لهذا الزخم، كي تكون ردود أفعالهم أكثر رشدا. وذلك لا يتم إلا بالمزيد من الشفافية الحقيقية والحكومة المفتوحة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »متي نتمكن من محاسبة المواطن (مواطن)

    الاثنين 20 شباط / فبراير 2017.
    إن قدرة وسائل الاتصال من فيس بوك وتويتر لا شك قوية وقادرة على احداث بعض التغيير .. ولكن متي يمكننا استخدام نفس الأدوات في محاسبة مستخدمي المرافق الصحية والحمامات بشكل مزري وسئ .. متي يمكننا محاسبة المسئولين عن القيادة المتهورة على طرقاتنا فيعرضوا حياتنا للخطر في كل لحظة من وجودنا على الطرقات.. متي يمكننا محاسبة من يمنعوننا استخدام معابر المشاة ويعتبرونها مساحات توفر لهم فرص دهس المواطن المسكين ....متي نستطيع محاسبة صانعي القمامة والمسئولين عن توزيعها بعدالة لا متناهية على كل زاوية وفي كل شارع من كل مدينة اردنية وخاصة إذا كان المكان من فئة المواقع السياحية؟؟ متي ومتي ومتي ...
  • »الموجة الثالثة للثورة الصناعية (بسمة الهندي)

    الاثنين 20 شباط / فبراير 2017.
    نعم أستاذ الطويسي هذه اسمها دمقرطة المعرفة وهي نتاج الموجة الثالثة للثورة الصناعية (التكنولوجيا والعلم). في تسعينيات القرن الماضي سعى نشطاء حقوق الإنسان في مصر، على سبيل المثال، جمع المال كي يشتروا تسع كاميرات صغيرة محمولة حتى يوثقوا انتهاكات حقوق الإنسان في الميدان واعتبروا ذلك انجاز عظيم، اليوم معظم الناس معها كاميرات صغيرة على أجهزة موبايلها وقادرة أن توثق كثير من الانتهاكات والمخالفات القانونية وبثها على الهواء مباشرة دون حتى أن يكونوا نشطاء.
    هناك أكثر من عامل ساعد أصحاب حملات شبكات التواصل على دفع السلطة التنفيذية للتجاوب معها كما رأينا، ولكن في حالات أخرى لم تتجاوب السلطة التنفيذية مثلما حدث ويحدث مع حملة الغاء اتفاقية الغاز مع "اسرائيل"، ولذلك أنا ما زلت مصرة على أن "اللغة الانجليزية"/هوية السائح كانت عامل مهم في تجاوب وزيرة السياحة – الرسالة رغم أنها كانت مهذبة إلا أنها كانت قاسية للغاية.
    العلم/التكنولوجيا والاقتصاد يفسران ما يحدث عندنا وفي العالم. الآن دخلنا في الموجة الرابعة للثورة الصناعية. اربطوا الأحزمة !