منار الرشواني

"عراق ما بعد داعش": المأساة والفرصة

تم نشره في السبت 4 آذار / مارس 2017. 12:05 صباحاً

بحكم الحقائق التي لا تقبل الجدل منذ العام 2003، يبدو محقاً تركز الحديث بشأن "عراق ما بعد داعش" على مصير السُنة هناك؛ سواء على الصعيد الإنساني العاجل في المناطق المحررة من التنظيم، أو على الصعيد السياسي الوطني الأبعد مدى، اتعاظاً بتجربة إيران (نوري المالكي خصوصاً)، القائمة على الإقصاء والاستئصال اللذين أنتجا النسخة الأشد وحشية للإرهاب؛ "داعش".
لكن الحقيقة أن مشكلة العراق الأكثر إلحاحاً بعد "داعش" -من حيث التوقيت وليس المأساة طبعاً- تبدو في الصراع الشيعي-الشيعي التي لا تتوقف مؤشراته منذ الآن، وقبل انتهاء المعركة ضد العدو المشترك؛ "داعش"، بحيث يتم الحديث عن حرب أهلية شيعية، إضافة إلى حرب أهلية شيعية-كردية.
فبعد تحركات مقتدى الصدر المضادة للحكومة، نُقل عن زعيم مليشيا "عصائب أهل الحق"، قيس الخزعلي، تبنيه شعار "داعش": "باقية وتتمدد"! علماً أن "العصائب" نشأت بانشقاق عن جيش المهدي بقيادة الصدر، مناوئة لحكومة نوري المالكي "الإيرانية"، لكنها اليوم تخضع –بحكم التمويل والتدريب- للحرس الثوري الإيراني! واستناداً إلى وجود "العصائب" في سورية تحت قيادة قاسم سليماني، قد يبدو ممكناً تفسير تبنيها "باقية وتتمدد" باعتباره تأكيداً على دورها الإقليمي أداة لإيران. لكن حتى هذا التفسير يستدعي ابتداء "البقاء والتمدد" في العراق؛ ليس عسكرياً فحسب، بل سياسياً أيضاً، من خلال الانتخابات البرلمانية والمحلية. وهو ما أعلن عنه الخزعلي ذاته قبل أيام؛ بأن الحشد الشعبي "كما حضر في المعارك سوف يحضر بالسياسة ويقضي على الفساد".
ولعل عبارة "القضاء على الفساد" هي الوحيدة القادرة على تفسير قدرة السياسيين وقادة المليشيات العراقيين على حشد المؤيدين المتصارعين داخل الطائفة ذاتها. ذلك أن "الفساد" هو المسؤول أساساً عن بؤس حياة العراقيين حتى في المناطق التي لا تعرف أي تفجيرات، ناهيك عن وجود "داعش" الذي أسهم الفساد بأشكاله المختلفة في نشأته، كما تم استغلال التنظيم لاحقاً في صرف النظر عن السبب الأهم لمأساة العراق.
والإدراك الشعبي العراقي لأساس وأصل المأساة، للطوائف والفئات كافة، هو ما يجعل "عراق ما بعد داعش" فرصة لاستعادة العراق ليكون لجميع أبنائه. فالفساد لا تستفيد منه إلا القيادات الطائفية الخاضعة لإيران، تماماً كما يستفيد منه "داعش" وأمثاله، وبما يجعل كلاً من هذين الطرفين يوظف الآخر حتماً ضمن هدف استدامة مكاسب الفساد. وبداهة، فإن الأغلبية العظمى من الشعب العراقي التي تدفع وحدها الثمن الباهظ الآن –ليس من معيشتها فقط، بل وبأرواحها من خلال الإرهاب الناتج عن الفساد، أو الموظف وحتى المختلق لصرف النظر عنه وحمايته- لا يمكنها الخروج من مصيدة الموت السريع والبطيء الحالية، إلا بالتخلص من القيادات الفاسدة، وشرط ذلك التخلص من هيمنة إيران؛ المستفيد الأول والأخير من تدمير العراق وتقسيمه مليشيات بعد التقسيم الطائفي، بدليل أنها ترعى الغارقين في نهب العراق، ولا سيما نوري المالكي، كما ترعى وتدعم خصومهم القائلين بالقضاء على الفساد!
طبعاً، يبدو السؤال الأصعب هنا بشأن السبل لإيجاد قيادات عراقية تنتمي للعراق ككل، دولة لكل مواطنيه؛ فتخاطب العراقيين وتجمعهم على ما يمكن إنجازه بالشراكة والمصالحة، بدل خطاب كثير من القيادات الحالية التابعة لإيران، والقائم على تخويف العراقيين وتعبئتهم ضد بعضهم بعضاً.
ورغم أنه سؤال معضلة، فإن الخطوة الأولى والتي لا غنى عنها هي إيجاد منافذ عربية للعراق بكل طوائفه وعرقياته. إذ على النقيض من المصلحة الإيرانية، ليس من مصلحة للعرب إلا في عراق مستقر وآمن فعلاً. وقد آن أوان تصحيح خطأ الرضوخ لابتزاز الدوغمائيين الذين خونوا التعامل مع "المنطقة الخضراء"، فيما أباحوه لإيران للإجهاز على العراق تماماً؛ شيعة وسُنّة.

التعليق