منار الرشواني

حين هزمنا أميركا!

تم نشره في السبت 11 آذار / مارس 2017. 12:05 صباحاً

ربما يكون العالم أجمع اعتاد، فلا مجال لأي دهشة، تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الغريبة، بل والمتجاوزة للغرابة بمسافات طويلة. لكن الأمر الذي يبدو عصياً تماماً على أي فهم واعتياد هو وجود هذا العدد غير القليل من "الإعلاميين" و"المحللين" والسياسيين الأميركيين المستعدين دوماً وأبداً للدفاع عن غرائب الرئيس، من دون أن يرمش لهم جفن، حتى عندما تكون الفضيحة، مسلكاً أو تصريحاً كاذباً، مؤكدة بكل دليل.
ولعل النموذج الأوضح إبان الحملة الانتخابية، كان مع تسرب شريط "الفيديو" البذيء الذي يتباهى فيه ترامب بقدرته على فعل ما يشاء مع أي امرأة، بحكم ثرائه ونفوذه. إذ لم تتردد حتى إعلاميات نساء في مساندة مرشح الحزب الجمهوري وقتها.
أما النموذج الأحدث، في عهد ترامب "الرئيس" طبعاً، فهو مسارعة الفئة ذاتها إلى تأكيد تصريح (أو تغريدة) ترامب، بأن سلفه باراك أوباما تجسس عليه، رغم أنه بدا واضحاً أن الرئيس أطلق التصريح في لحظة غضب أو توتر مع تزايد تخبط إدارته؛ كما نفى مضمون التصريح ليس فقط قادة حاليون وسابقون لأجهزة استخبارية أميركية، بل وأيضاً بعض كبار أعضاء الكونغرس عن الحزب الجمهوري. ولذلك، والأهم، كانت لغة المدافعين عن ترامب قائمة على "ربما"، "لم لا؟!"... وغيرها من عبارات تثير الضحك، ويُفترض أن تثير الاستفزاز، كونها تقوم على المناكفة وإلا فاستغباء المشاهدين! فيما يظل الاستفزاز الحقيقي من وجود ملايين الأميركيين المؤيدين لهكذا خطاب ساذج أو متغاب في أحسن الأحوال، بدليل فوز ترامب بالرئاسة، بغض النظر عن حجم التدخل الروسي في الانتخابات.
وبمعيار القبول أو التأييد الشعبي لهكذا سياسيين وإعلاميين، لا تبدو أميركا استثناء أبداً، بوجود فرنسا على الأقل إلى جانبها. فرغم تأكيد مرشح يمين الوسط للانتخابات الرئاسية الفرنسية، فرانسوا فيون، أن اتهاماً سيوجه إليه قريباً بشأن وظائف وهمية (لزوجته، كما ابنته وابنه) خلال وجوده في مجلس الشيوخ الفرنسي، فإنه أكد –نقيضاً لإعلان سابق له– مواصلة ترشحه. ومثل ذلك، بداهة، سيكون قرار ماري لوبان التي من المحتمل أن تواجه بدورها قضايا فساد.
لكن لماذا يصوت الناس، بالملايين، لمتهمين بالفساد، أو متهربين من الضريبة، كما هي حال ترامب (وهو ما يعد فضيحة قبل أن يكون جريمة في الغرب، وليس "شطارة" وحنكة كما هي الحال في العالم العربي)؟
حتى حل هذا اللغز، يبقى ثمة جانب إيجابي للقصة عربياً. إذ في العام 1986، قامت الولايات المتحدة، بدعوى مساندة القذافي للإرهاب، بقصف مدينتي طرابلس وبنغازي. فكان رد القذافي إضافة كلمة "العظمى" إلى اسم الدولة، وليصبح "الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى"، مفسراً ذلك بأن دولة "عظمى" هاجمت ليبيا، بما يجعل الأخيرة "عظمى" أيضاً بالضرورة!
محاكاة لذلك، ولأن العالم العربي كان، حتى عهد ترامب ربما، نموذجاً عالمياً استثنائياً في وجود فئة عالية الصوت تعظم كل فاسد مستبد، وتعتبر أنه بقتل الشعوب العربية ونهب خيرات أوطانها "يعود العالم العربي عظيماً" (كما يريد ترامب "جعل أميركا عظيمة مرة أخرى")، فإن بمقدور هؤلاء -والقذافي أحد رموزهم- ادعاء هزيمة أميركا، بل وحتى أوروبا، ولو لبضع سنوات يحاولان فيها استلهام إنجازات أنظمة عربية "متقدمة" بل و"عظيمة" على صعيد الانحطاط الإنساني الشامل.

التعليق