إبراهيم غرايبة

تحويل الموارد المالية إلى رفاه إنساني

تم نشره في الأربعاء 5 نيسان / أبريل 2017. 11:07 مـساءً

يقاس الأداء الحكومي والمجتمعي بتحويل الموارد العامة إلى رفاه إنساني مؤشرا إليه، ببساطة، بالتعليم والصحة والتكامل الاجتماعي ومستوى المعيشة، لكنها عبارة، برغم بداهتها، تبدو صعبة وغامضة اليوم؛ فالأفول في واقع الحال لا يشمل الأسواق والطبقات المشار إليها في مقالة أمس، لكنه عصر أو مرحلة تطال كل المؤسسات والبرامج والأفكار والأعمال والمهن.
وفي ذلك يبدو الحديث عن تطوير التعليم والمناهج والرعاية الصحية والاجتماعية ممعنا في الغيبوبة إذا لم يأخذ بالاعتبار التحولات الكبرى في المعرفة والمهارات. لم يعد التطوير والتخطيط مراجعة وتحسينا للأداء القائم، لكنه إعادة بناء للأفكار والمؤسسات تعصف بكثير من المؤسسات والمصالح والطبقات القائمة اليوم، ففي التعليم، على سبيل المثال، يجب مواجهة أنفسنا بأن المتطلبات المعرفية والإبداعية ومهارات الحياة المطلوبة للمواطن لم يعد لها علاقة بما يتعلمه ويتلقاه التلاميذ في المدارس والجامعات أو بما يؤهل له المعلمون والمشرفون، فلا المناهج والمؤسسات ولا القائمون عليها في وارد الاستجابة الحقيقية والمكافِئة، وهنا نشأت حقيقة مفزعة يمكن ملاحظتها بالنمو الكبير للمدارس الخاصة المتقدمة (نسبيا) والإقبال على أنظمة التعليم الأجنبية، فالظاهرة تعكس إدراكا واضحا لعجز المؤسسات التعليمية الممولة بالضرائب والموارد العامة، وفي الوقت نفسه تؤشر إلى مصالح معقدة تقوم على فشل التعليم، فهذه الاستثمارات الكبرى في التعليم تستمد فرصها من فشل التعليم الرسمي، ويتوقع بطبيعة الحال أنها تقف وراء مصالحها والتي تحولت من التنافس في تقديم الخدمة التعليمية إلى إفشال المؤسسة التعليمية.
وسوف تؤدي الحوسبة والأنظمة الإلكترونية في المؤسسات الحكومية إلى إنهاء منظومات واسعة من المقاولات والمصالح، مثل توريد الورق والقرطاسية، أو كشف عيوب أنظمة إدارة المحاسبة والمتابعة والمواصفات والعطاءات، والأخطر من ذلك، ففي تقليل التدخل البشري تقل فرص التلاعب والفساد، ولم يعد سرا أن الفساد منظومة ممتدة في نسيج وبنية المؤسسات والأنظمة الإدارية، والحوسبة والتشبيك ليست مجرد تزويد للمؤسسات بجهاز تقني، لكنها أنظمة عمل وتخطيط ومتابعة جديدة مختلفة جذريا، والتحول من العمل اليدوي والبشري إلى الآلي ليس مجرد تقنين للعمل، لكنه يوقف منظومة راسخة وعميقة من العلاقات. لنتخيل كيف سيجري التلاعب بالمواصفات والأوامر التغييرية وكيف ستدار الرشاوى في ظل أنظمة حاسوبية لا يتدخل فيها البشر. لنفكر في خدمات تدار بدون تدخل بشري، مثل إدارة رخص المهن، وشراء وتخزين وتنظيم الأدوية في المستشفيات والمستودعات عندما تربط بالحاجة الفعلية، ماذا سيحدث عندما يتوقف استخدام الورق والقرطاسية في العمل؟
هكذا، فإن تحويل الموارد إلى رفاه إنساني هي عمليات نضال معقدة ليس لها ما يكفي من الأنصار والمؤيدين الفاعلين والمؤثرين، فهي أولا؛ معرفة ومهارات وأعمال ومؤسسات مختلفة عما هو قائم منذ تأسيس الدولة الحديثة، وهي ثانيا؛ مواجهة مع طبقات مهددة بسبب هذه التحولات، وهي ثالثا حكمة مستقلة عن معظم، إن لم يكن جميع، ما لدينا من تراث سياسي وإداري، ولم تتشكل بعد بوضوح وقوة يواجه الحالة القائمة (الآفلة أو الآيلة إلى السقوط) .. وكما يقال فإن بومة منيرفا (الحكمة) لا تظهر إلا في الغسق، اي بعد انقضاء الأحداث.

التعليق