جمانة غنيمات

تكسير الكاميرات والدلالات

تم نشره في الأربعاء 12 نيسان / أبريل 2017. 11:10 مـساءً

التفسير المباشر لإقدام مواطنين على تكسير كاميرات مراقبة السرعة في أربع مدن، يعكس رفضا من المجتمع لدفع مزيد من الأموال للخزينة، حتى لو كانت مقابل مخالفة القانون.
دلالات عديدة يمكن استقراؤها من هذا السلوك، جميعها تصب في خانة ضيق المواطن بسياسة الجباية ودفع الأموال للحكومات المتعاقبة، والملل من الأحوال الاقتصادية الصعبة، وضعف التزام الحكومات بوعود التنمية المنشودة لهذه المجتمعات، من غير أن يكون هناك في الأفق أي بصيص أمل.
التفسير الثاني؛ أن ثمة شعورا يتعمق أكثر بعدم الإيمان بالقانون وسيادته، ورغبة في استقصاء كسر القانون، فتكسير الكاميرا في الرمثا أو إطلاق النار عليها في مأدبا بثلاثة أعيرة نارية، أو اقتلاعها في الكرك، أو تغطيتها بالكرتون في السلط، إنما هي رسالة تفيد برفض القانون والخضوع له، إذ بات التطاول على هيبة المؤسسات التي تمثلها هذه المرة الكاميرات، أمرا عاديا عند الأردنيين.
الصورة العامة أن أشخاصا في أربع محافظات قرروا كسر القانون، ومحاولة منع تطبيقه، ولسان حالهم يقول: لن ندفع لكم مزيدا من الأموال ونحن الذين نعيش على الهامش ونعاني الإقصاء.
الرسالة الأخطر، برأيي، تكمن في جغرافيا هذه المسلكيات، والتي تعكس مزاج أبناء المحافظات تجاه الدولة ومؤسساتها، كنتيجة طبيعية لتخلي الدولة عن دورها الريعي خلال الحقبة الماضية، وترك هذه الفئة من المجتمع دون تأهيل لمرحلة التخلي عنهم.
هذا التحول في دور الدولة ترك شعورا بالمرارة لدى هذه الفئة، وإحساسا بالخذلان من الدولة بكل مؤسساتها، فقد تركتهم بدون أن تسلحهم بأدوات تقيهم شرور التحول الاقتصادي، خصوصا، بدون تعليم لائق، أو تدريب حقيقي يكسبهم المهارات الضرورية، ويمنحهم القدرة على التنافسية، وأيضا، يسهل انتقالهم للمرحلة الراهنة.
ما حدث لدينا أن الدولة، التي تمثل الراعي ورب الأسرة، قررت التخلي عن الأبناء قبل أن يبلغوا سن الرشد، وبدون حتى أن تهيئهم لذلك، كما لم تخلق لهم البديل، وكأنهم باتوا عبئا عليها، ما خلق مظلومية عالية لدى هذه الفئة، وشعورا بالخذلان بات يترجم غضبا في أحيان كثيرة.
الحكومات التي كانت الموظِّف الأول لهم أعلنت منذ زمن أنها لم تعد قادرة على ذلك، وذلك صحيح، لكن المشكلة والخطأ أنها لم تخلق بديلا منها في الميدان، وتركتهم ضحية لسياساتها القاصرة عن استيعاب احتياجاتهم، فصارت أحلامهم وآمالهم بحياة أفضل تصطدم كل مرة مع واقع صعب لم تتمكن أي حكومة من تغييره.
بصراحة؛ معنى ما حدث يتجاوز فكرة أن بعض الخارجين على القانون قاموا بتكسير الكاميرات، لأن الدلالات العميقة أكثر خطرا من هذه الفكرة، وتؤشر على ما باتت عليه علاقة المحافظات بالمؤسسات.
تزامن ذلك مع ممارسات حكومية غيبت العدالة في تطبيق القانون والتعيينات، واستمرت في سياسة توريث المواقع لأبناء المسؤولين، ما يخلق بيئة مواتية لرفض كل ما هو رسمي، في أجواء لم تحارب المحسوبية والواسطة والفساد، الأمر الذي أسهم في تعميق أزمة هذه الفئات.
إصلاح الخلل في العلاقة يحتاج إلى وقفة حقيقية من المؤسسات، خصوصا أن فجوة الثقة تتسع في ظل ضعف نتائج التنمية وعجز المؤسسات عن خلق بدائل لسكان المحافظات الذين ضاق بهم الحال أكثر نتيجة تبعات اللجوء السوري خلال السنوات الماضية.
الحل متشعب، والأمني، كما يحدث عندنا دائما، ليس جزءا منه، لأن "القصة ليست رمانة، بل قلوبا مليانة" كما يقال، ما يتطلب رؤية رسمية أكثر عمقا وعقلانية وإدراكا للمعنى الحقيقي لسلوكيات المواطنين، تقوم بتحليل المشهد والعلاقة بين المؤسسات الرسمية والمحافظات، لأن ثمة قصورا واضحا في فهم ما يحدث هناك.
الحل يبدأ من وقف المعايير المزدوجة، وتحقيق العدالة وتوفير الفرص بعدالة وتكافؤ أمام الجميع، فالبدء بهذا العمل لم يعد ترفا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مخالفات السير (المهندس سميح جبرين)

    الخميس 13 نيسان / أبريل 2017.
    المشكلة أن هذه الجباية لن تساهم بحل عجز المديونية المزمن ،ولكنها بكل تأكيد ستساهم "بعجز " في منسوب الولاء والأنتماء وفقدان المواطن الإيمان بوطنه كحصن منيع يلجأ إليه في الملمات . وقبل أن ينتقد أحدهم اللجوء لمفردة "الجباية" للتعبير عن ما يجري من تحرير مخالفات السير دون مبررات مشروعة ،نقول بأن الشواهد على ذلك كثيرة ،فما معنى أن يتسرب رجل سير للأحياء السكنية ويقوم بمخالفة كل من يركن سيارته على أحد أطراف الشارع داخل الحي وذلك برغم عدم وجود أي شاخصة مرورية تفيد بأن الوقوف ممنوع .وما معنى أن يحضر رجل سير إلى الشوراع الجانبية المحاذية لمراكز تقديم الخدمة للمواطنيين كالمستشفيات العامة والخاصة ودوائر الأحوال المدنية و خاصة في هذا التوقيت حيث لا تنقطع الدعوات الرسمية لكافة المواطنيين بضرورة أصدار الهويات الجديدة قبل نهاية شهر حزيران ، وهنا نقول ،ألا يكفي المواطن ما يعانيه من مشقة وزحام وهدر وقت طويل جداً لتجديد هويته ،ليخرج بعدها ويجد "مكافئة " له وهي عبارة عن مخالفة سير مركونة أسفل مساحة الزجاج .
    أخيراً نقول ،قد تفرح الحكومة بجباية بضعة ملايين من الدنانير ،ولكنها لا تريد أن ترى الوجه الآخر لهذه الجباية وغيرها من الضرائب التي "كسرت " ضهور المواطنيين بحيث أصبح المواطن يعيش حالة أحتقان مزمنه نرى إنعكاساتها بازدياد جرائم القتل على أتفه الأسباب ، كذلك ازدياد في معدل السرقات والنصب والاحتيال وحتى ارتفاع في معدل حوادث السير ،هذه الحوادث التي يفترض أن ينخفض معدلها كنتيجة لزيادة وتغليظ مخالفات السير .
    الحديث في هذا الموضوع طويل وطويل جداً ،ولكننا لمسنا كمواطنيين بأن الحكومات في بلدنا تعاني من فقدان حاسة السمع عندما يتعلق الحديث بمعاناة وشكاوى الموطنيين .
  • »تكسير الكاميرات (NASER)

    الخميس 13 نيسان / أبريل 2017.
    كلام جميل وواضح ينم عن تحليل واقعي لحجم المشكلة وليس كما تم طرحها هامشيا في وسائل الاعلام لكن للاسف الحكومات تتابع وتلهث وراء مصالحها والاستدامة واكبر مثال تعيينات الضمان مما يوكد ان بوادر الفساد ما زالت قائمة

    حمى الله الاردن
  • »تصرفات همجية (الحجاج)

    الخميس 13 نيسان / أبريل 2017.
    تكسير الكاميرات تصرف همجي يعكس ثقافة من يقوم بها ليس هناك اي مبررله يجب ان تسمى الاشياء باسمائها