منار الرشواني

فرنسا: الحاضر صورة الماضي؟

تم نشره في الجمعة 28 نيسان / أبريل 2017. 11:05 مـساءً

باستثناء عنصر المفاجأة، يكاد يكون مشهد الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي جرت الأسبوع الماضي، نسخة طبقة الأصل عن انتخابات العام 2002؛ إن بصعود تيار اليمين المتطرف، كما بردة الفعل السياسية على ذلك داخلياً بشكل خاص.
إذ بفوزها –المتوقع تماماً- بالمركز الثاني قبل أيام، لتنافس مرشح تيار الوسط (المستقل) إيمانويل ماكرون في الجولة النهائية الشهر المقبل، تعيد مرشحة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف مارين لوبان، تجربة والدها جان ماري لوبان، بفوزه –إنما الصادم آنذاك- في الجولة الأولى من انتخابات 2002.
بشكل يطابق ما يحدث اليوم أيضاً من دعوة أغلب السياسيين الفرنسيين إلى التصويت لماكرون في الجولة الثانية لمنع اليمين المتطرف من تسلم السلطة، كذلك كان الوضع في العام 2002، وبما أدى وقتها إلى هزيمة ساحقة للوبان الأب في مواجهة جاك شيراك الذي نال نسبة تكاد تكون غير مسبوقة من أصوات الفرنسيين بلغت 82.2 %.
لكن عند هذا الحد ينتهي التشابه، ليبدأ الغموض والترقب. فحتى المرشح ماكرون ذاته يؤكد أن فوزه بالرئاسة ليس مضموناً، بخلاف ما بدت عليه الحال عشية الجولة الثانية قبل خمس عشرة سنة. والسبب، كما بات معروفاً، هو يأس كثير من المواطنين الغربيين من السياسة ورموزها التقليدية؛ أشخاصاً ومؤسسات. بل إن فوز ماكرون غير المتوقع حتى فترة قريبة بالجولة الأولى، إنما جاء في جزء منه نتيجة ابتعاده عن المؤسسة التقليدية (عقب استقالته من الحزب الاشتراكي وتأسيسه حركة "إلى الأمام"). لكن لا يُعرف للآن إلى أي مدى سيتوسع هذا الدعم في مواجهة ماري لوبان في الجولة المقبلة الحاسمة.
بالنتيجة، فإن هذا الغموض، وقبله توقع فوز لوبان الابنة بالجولة الأولى بخلاف مفاجأة فوز لوبان الأب قبل عقد ونصف العقد، قد لا يعنيان إلا فشل السياسيين والمؤسسات السياسية الفرنسية، أسوة بأغلب الدول الغربية الديمقراطية طبعاً، في احتواء اليمين المتطرف العنصري والتصدي له. بل وفيما يصعد هذا اليمين بحيث يصبح لاعباً رئيساً وليس مجرد مشاغب أو حتى فاعل مؤثر فقط، تنهار الأحزاب التقليدية من اليمين واليسار.
على الرغم من ذلك، يظل الدرس الأهم الذي يقدمه مجدداً صعود اليمين المتطرف، في فرنسا هذه المرة، هو رفض أغلب القوى السياسية، إن لم يكن جميعها، سياسة هدم المعبد على رؤوس الجميع، ولو بالتزام الصمت والحياد تجاه جولة الحسم المقبلة. إذ سارعت هذه القوى بدلاً من ذلك إلى إعلان تأييدها لقيم الدولة الفرنسية الديمقراطية بعيداً عن أي حسابات ضيقة؛ حزبية أو شخصية. وهو ما شهدناه حتى من المعارضة التركية المناوئة تماماً لأردوغان يوم الانقلاب العسكري، فكان هذا الموقف حاسماً في إفشال الانقلاب.
في المقابل، ما يزال كثير جداً من "السياسيين" والمثقفين العرب لا يعرف سوى مبدأ "عليّ وعلى أعدائي"! وهو المبدأ الذي لم يعن فقط التضحية بكل قيمة إنسانية وديمقراطية، بل التضحية حرفياً بدول بأكملها بالنتيجة، في تجسيد صادق لسياسة هدم المعبد/ الدولة على رؤوس الجميع.

التعليق