ماجد توبة

الاستقلال العربي بين زمنين

تم نشره في الأربعاء 24 أيار / مايو 2017. 11:05 مـساءً

ونحن نحتفل اليوم بعيد استقلال المملكة الواحد والسبعين، حيث أعلن في مثل هذا اليوم من العام 1946 انتهاء الانتداب والاستعمار البريطاني على الاردن واعلان المملكة الاردنية الهاشمية دولة مستقلة، تستوقفك الاحداث والانقسامات التي يمور بها الوطن العربي وغير قطر عربي؛ للمقارنة بين زمنين، زمن النضال العربي للاستقلال عن الاستعمار وبين زمن حالي تكاد تحنّ فيه شعوب عربية غارقة بحروبها الاهلية وانقساماتها ودمائها، الى ذلك الزمن الاول!
ورغم كل التحديات المعيشية والاقتصادية والاجتماعية فانه يحق للاردنيين الاحتفال بالاستقلال، وهم ينعمون بالاستقرار والامن، في هذا البحر المتلاطم من الفوضى والدماء التي تملأ بلادا عربية ابتليت بالموت والدمار.
في سورية والعراق وليبيا واليمن، والى حد ما مصر وغيرها من اقطار عربية، وبعد عقود من الاستقلال عن الاستعمار المباشر، تغرق اليوم هذه البلاد وشعوبها في حروب داحس والغبراء، وتتشظّى مجتمعاتها بين عشرات الملل والنحل والطوائف والمكونات، التي تتعمق بينها البغضاء والإقصاء والرفض للآخر، ويغيب فيه مفهوم المواطنة لصالح القبيلة والطائفة والعرق، فتسيل الدماء مدرارة وتتهدم المدن والاحياء فوق رؤوس أصحابها، ويبيت الملايين بين قتيل وجريح وسجين ولاجئ ونازح.
في زمن الاستعمار، الذي كنا نظنه المرحلة الأسوأ بتاريخنا الحديث، كان الضمير الوطني في كل البلاد العربية موحدا، ممدِّا شعوبنا بطاقة كبيرة وعزيمة لا تلين على النضال والتضحية، إلى أن تكللت نضالات الشعوب بكنس الاستعمار وطرده بعد أن قدمت الشعوب من أرواح ابنائها الكثير من الشهداء والمعاناة.
في العراق، وفي مرحلة النضال والثورات العظيمة ضد الاستعمار البريطاني، يكاد يختفي من تأريخ تلك المرحلة الحديث عن سنة وشيعة، ومسلم ومسيحي وكردي، ويحضر الشعب العراقي العظيم بوحدته ووطنيته العابرة للطوائف والأعراق والديانات. وفي سورية، لم يكن احد يتوقف عند درزية سلطان باشا الاطرش، وهو يقود السوريين بثورته العظيمة ضد الاستعمار الفرنسي، بل وتلهم قيادته وبطولته مناضلي العرب بثوراتهم ضد الاستعمار في بلادهم، وقس على ذلك الكثير.
 اليوم، وفي زمن الاستقلال وعهد الدولة الوطنية؛ تنهار القيم الوطنية الجامعة وتتفسخ الروابط العابرة للطائفة والعرق والديانة، ويشتعل الانقسام والاقصاء بين المكونات المتنوعة، لتسيل بحور من الدماء، حيث لا يعرف القاتل سببا واحدا مقنعا لقتل اخيه المواطن، غير خلاف العقيدة والطائفة والعرق، وحتى الخلافات السياسية تتوارى وتنكفئ امام تقدم الانقسامات الطائفية والدينية والقبلية، وسط ضخ  وشحن عابر للحدود ضمن صراعات النفوذ والمصالح الاقليمية والدولية!
في ليبيا، التي أذاق ثوارها زمن الاستعمار الاحتلال الايطالي البشع معنى النضال والجهاد الحقيقي حتى اندحر مهزوما، يجيء اليوم من يدّعون وراثة عمر المختار، ليهلكوا الزرع والنسل ويدمروا البلاد والعباد، باسم الثورة. ورغم غياب الانقسام الطائفي او الديني في ليبيا كما هو الوضع بسورية والعراق، فإن الحالة العامة لعرب اليوم لا توفر جهدا في الاستناد الى الانقسام القبلي والمناطقي، لإذكاء الصراع والقتل والدمار.
حتى في الدول العربية التي تنجو اليوم من الصراع المسلح والدموي، فإنها تكاد لا تنجو من آثار الانقسامات والتشظي الضميري بين مكوناتها المتنوعة، حيث تأخذ هذه الانقسامات والصراعات "الباردة" أبعادا قبلية ودينية وطائفية ومناطقية وجهوية وغيرها من تقسيمات تنحدر بالمجتمعات الى اسفل درك الاخطار.
 في التحليل النهائي لهذه الفروق الجوهرية بأوضاع الشعوب العربية بين مرحلتي الاستعمار والاستقلال، لا يمكن تجاهل ما فرضه الاستعمار وجبروته واستهدافه لهذا الشعب او ذاك كشعب بكل مكوناته وخيرات وطنه، من تحدٍ على المجموع الوطني، حتى بات الفرز حينها واضحا بين استعمار غاشم مقابل شعب ووطن مستعمرين يسعيان للتحرر والاستقلال وبناء الدولة الوطنية المستقلة.
فيما يؤشر الزمن العربي الصعب اليوم الى فشل الدولة الوطنية على مختلف الصعد، تنمويا وسياسيا وثقافيا، وعلى صعيد بناء دولة المواطنة والكرامة والعدالة والحريات، من جهة، وإلى تعثر وفشل تحقيق نوع من التكامل والوحدة بين اقطار هذه الأمة من جانب آخر.

التعليق