محمد أبو رمان

الإسلاميون بين حدّين! (3 - 3)

تم نشره في الجمعة 26 أيار / مايو 2017. 12:10 صباحاً - آخر تعديل في الاثنين 29 أيار / مايو 2017. 11:16 صباحاً

   ما نزال في هذا المقال في أجواء مؤتمر "مستقبل الإسلام السياسي في إقليم مضطرب" (الذي عقدته مؤسسة فريدريش أيبرت الألمانية يوم الثلاثاء الماضي)، وكنتُ قد انتهيت في مقالة أمس إلى الحديث عن الجوانب الأخرى من تجربة الإسلاميين المغاربة والتونسيين، التي اعتُبرت ناجحة في حسابات السياسيين والباحثين.
     القيمة الكبرى في التجربتين التونسية والمغربية (وفقاً لمشاركات د. إدريس الكنبوري من المغرب، ود. عبد اللطيف الحناشي من تونس) – كما ذكرنا سابقاً- أنّهما تجنبتا الصدام مع "الدولة العميقة"، في المغرب مع المخزن (العرش) وتونس مع النظام القديم، وذهبتا إلى أقصى البراغماتية السياسية تجنباً للسيناريو المصري (الانقلاب العسكري)، وشاركتا بالسلطة بعد تقديم تنازلات مع "الدولة العميقة"، لكنّهما لم تحدثا أثراً عميقاً واضحاً في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ولم تغيّرا شيئاً، وذلك يعود لسببين رئيسين؛ الأول لأنّ الأوضاع وصلت إلى مرحلة صعبة جداً في المجالات الاقتصادية والمالية، وثانياً لأنّ أيدي الإسلاميين مقيدة في السلطة بتحالفاتهم مع هذه القوى، التي كانت – وما تزال- جزءاً من النظام القديم، الذي تسبب فيما وصلت إليه الحال!
     هنا، تحديداً، تبدو "معضلة" الإسلاميين المغاربة والتونسيين وعملية قراءة مستقبلهم السياسي، فهم نجحوا من جهة في تجنب الحالة المصرية، وجنبوا بلادهم سيناريو أمنيا مقلقا، كما يحدث في مصر ووقع في الجزائر (فيما يسمى بالعشرية السوداء)، لكن على الطرف الآخر هم لم يقدّموا شيئاً وأصبحوا جزءاً من ديناميكية السلطة، أي أنّ استدخالهم لم يحدث فرقاً جوهرياً في حياة تلك الشعوب، بقدر ما تحوّل الإسلاميون إلى جزء من المشهد، بلا قيمة إضافية مغايرة، على صعيد تحسين الحالة السياسية أو الاقتصادية- الاجتماعية.
     عند هذه النقطة، تكمن أهمية السيناريو الجزائري (الذي أشارت إليه الباحثة د. دالية غانم)، ففي الوقت الذي عقدت حركة مجتمع السلم (الإخوانية) مصالحة ووصلت إلى تفاهمات مع السلطة الجزائرية، وساهمت في الحدّ من العنف الداخلي، فإنّ هذه الحركة تحولت إلى "أداة" من أدوات السلطة السياسية، وجزء من ديناميكيات "الديمقراطية الشكلية" المقيدة، من دون أن تساهم في تغيير أفضل نحو الديمقراطية أو الحدّ من الفساد السياسي.
    بل أشارت غانم إلى آفات وقع فيها الإسلاميون مثل "البرجزة" لدى الصف القيادي، وتراجع حادّ في الشارع نتيجة الصفقة مع السلطة، فضلاً عن الانشطارات والانقسامات الداخلية المتتالية.
       لذلك يبدو السؤال المهم في هذه "المعضلة" فيما إذا كان الخيار الأفضل للإسلاميين هو ما ذهب إليه الإخوان الجزائريون سابقاً، وحالياً التونسيون والمغاربة من سيناريو "الصفقة" مع النظام القائم، لتجنيب البلاد مآلات الحالات المصرية والسورية والحروب الأهلية والفوضى الداخلية، اي تفضيل الوحدة والاستقرار أم التفكير في خيارات أخرى من الضغوط على السلطات من أجل دفع عجلة التغيير الديمقراطية إلى الأمام، وخشية من أن يتحولوا إلى جزء من ديناميكيات جديدة للتحايل على الثورات العربية الديمقراطية وطموح الشعوب بالتحرر؟!
     سؤال صعب ومعقد، في الحقيقة، لكنه يقودنا إلى الحالة المصرية اليوم والنقاشات العاصفة في أوساط النخب والانقسام في داخل جماعة الإخوان المسلمين الأم (وفق ما أشار الباحث د.خليل العناني من مصر) بين تيار يفكّر في المصالحة في نهاية اليوم (وهي القيادة التاريخية)، عبر وساطات إقليمية، لإنهاء التراجيديا الحالية، وتيار شبابي يقوم بالمراجعة، لكنّه يدفع إلى تغيير وسائل مقاومة السلطوية والثورة على المنهج الإخواني الكلاسيكي، عبر تبني رؤية ثورية توظف الشغب والعنف (لكن ما دون الرصاص) من أجل هزيمة السلطة، من دون الوصول إلى "الطرح الداعشي"!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تاكيد .. (عبد اللطيف الحناشي)

    الأحد 28 أيار / مايو 2017.
    كان الدكتور امينا ودقيقا في تغطية تفاصيل الندوة ومحاورها كما ابرز اهم الاستنتاجات التي اكدها المتدخلون..