نادر رنتيسي

“كيميا”

تم نشره في الثلاثاء 6 حزيران / يونيو 2017. 11:00 مـساءً

اشتريتُ بغباءٍ شديدٍ هاتفاً ذكياً. هاتفي القديم أيضاً كان نبيهاً، و”يلتقطها” أثناء طيرانها، لكنّه هرمَ بعد أربع سنوات، في وقت بلوغ “الكيميا” بيننا ذروتها. ربّما أرادَ أنْ يستريحَ، فاستعجَلَ إقامة نهاية الخدمة في درج الأشياء فاقدة القدرة على الاهتزاز. وضعته مهيباً في ركن خال، وعزلتُه عن البطاريات نصف الفارغة، والفواتير التي فقدت قيمتها، و”ملقط” الشعر الزائد، وشريط “كاسيت” بلون الشاي والحليب لأمسية “نزار قبّاني”، ثم أدخلتُ الدرج إلى ثلاجة الموتى الدافئة.
الهاتفُ الجديدُ استهلّ عمله مثل سكرتيرة تحمل الماجستير، لمدير خرِّيج الدورة الشتوية في الثانوية العامة، بدأ تأففه مُبكِّراً عندما استعنتُ بصديقٍ لتحويله من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، إذ بدا مثل “آرمات” مكتوبة بالضاد في شارع “اكسفورد”، ولمستُ قرفه سريعاً من الكلمات الغريبة التي كنتُ أطلبُ فيها من “غوغل” سرعة إيجاد تفاصيل عنها، أيضاً أزعجته الصور الرومانسية التي التقطتها مع امرأة ريفية أمام شجر أو بحر، مائة صورة لم تمسك كفّي، ولم أضع يدي على كتفها، وكأنّ الحبَّ بيننا كان بواسطة “فوتوشوب”.
أردتُ بعد يومين أن استخدم “واتساب”، ككلِّ الكائنات التي تتكاثر بالمراسلة، فكتبتُ إلى امرأةٍ على الهواء: “أشعر أن الله سيجمعنا”، وأرسلتها بلا تدقيق، ولما قرأتها بجانب العلامة الزرقاء المزدوجة، كانت “أشكُّ أن الله سيجمعنا”. عرفتُ متأخراً قليلاً أنّ الهاتف الذكيَّ يقترحُ عليّ ما أود قوله، فإن لم أصححه، فذلك يعني إشارة خضراء بأنني أوافقه على اقتراحه الذي صار واقعاً، بأنْ جادلتني المرأة التي في السهل الآخر. وبعد خبرة بسيطة صرتُ أشكُّ في ذكائه القائم على الحفظ وتكرار العبارات، فإن قلتُ مرحباً، يتبعها تلقائياً بـ”حبيبتي”، لكثرة استعمالي لها، ولكثرة الحبيبات، حتى وإنْ كنتُ أكلِّم زوجتي!
لم تنشأ “الكيميا” بيننا، رغم مرور زمن ثقيل. عاقبته بأن تركته في البيت مغلقاً، لأخرجَ من الساحات الخضراء والزرقاء، ثمّ اكتشفتُ أنني عدتُ رجلاً كهفياً أسقط اسمه لـ”عدم الاستيعاب”، من نشرة وفيات الرابع من تموز عام 1991، فوجدتني أعود إلى البيت كالجثة الهاربة من المقابر، أعدتُ تشغيله، ولم يضِئ، ولم تسعفني التقنيات المحدودة التي أمتلكها أن أعرف أنه حقن نفسه بخبث شديد بـ”فيروس” شطب كلّ حمولتي من الصور والأفلام والكلام الزائد، وكانت النهاية حتمية، بأن قرّر الانتحار فيزيائياً، وسقط كالفتيات بعد “موت عبد الحليم حافظ”، من على سور الشرفة الذي وضعته عليه للتشميس من أثر الشاي الذي رشقته به لإصلاحه.
سحبتُ الدرج من الثلاجة الدافئة، واستعدتُ الهاتف القديم من ركنه، حاولتُ بث الروح فيه، وضعتُ فيه شريان الحياة الأسود، وضغطتُ زرَّ التشغيل، لكنه ظلَّ بارداً مثل رخام الشاهدة. يبدو أن فترة الموت السريري قد طالت، ومن المؤكد أن الموت حق، فجلستُ على الأرض مهموماً، كأرملة محدودة الخبرات، فقد جرّبتُ من بعده ثلاثة أجهزة فائقة الذكاء، ولما يئست، ذهبت إلى محل الهواتف وطلبت هاتفاً من رفِّ الهواتف الغبية، مدّ لي البائع واحداً، اصطحبني معه إلى ركن معزول عن البطاريات نصف الفارغة في درج الثلاجة الدافئة.

التعليق