إبراهيم غرايبة

فشل متعوب عليه

تم نشره في الأربعاء 14 حزيران / يونيو 2017. 11:06 مـساءً

تواصل السلطات والنخب الهروب من استحقاقات إعادة تنظيم العلاقة بينها وبين المجتمعات، هذا حين نأخذ في الاعتبار ما تقتضيه المعرفة المتسعة والمتاحة والمتداولة بعيداً من سيطرتها. لكنها في حالة الإنكار التي تعيشها تغرق نفسها ومجتمعاتها في الخواء والتطرف، فقد استطاعت النخب والسلطات السياسية في سيطرتها على التعليم والطباعة والنشر والإعلام تنظيم المجتمعات والأجيال في أنماط محددة ومنضبطة، ووظفت المؤسسات والعلوم والتقنية التي أتاحتها عصور الصناعة الحديثة في تكريس الخرافة في مواجهة العلم، والبروباغندا ضد الحقائق، والآمال العظيمة بدلاً من العمل المنتج، والوعود الكبرى بدلاً من الإنجازات العملية والمتراكمة، واستغنت بالخوف والقهر عن الحرية والعدالة والمشاركة، ولما تداعت رواية التنمية والتحرر بفعل الفشل والهزائم أغرقت البلاد والعباد بفائض من الدين والهوس الديني. واليوم، فإنها تهلك شرقاً أو غرقاً بهذا الطوفان الذي تحول إلى كارثة محيرة.
ثم وفي قدرة الناس على الاستقلال في المعرفة والتعلم والتأثير بعيداً من هيمنة السلطات والنخب، فإن المجتمعات لم تعد مضطرة للقبول بالخضوع والتبعية، ولم تهجر مؤسسات الدولة فقط لكنها تتساءل: لمَ الإنفاق عليها من الضرائب والموارد العامة؟ وفي الفرص المتزايدة للفردية والاستقلال في العمل والتسويق والتأثير وتدبير الاحتياجات الأساسية تتعرض الأسواق والمؤسسات لتحولات جذرية في تشكلها، وتنقرض في ذلك طبقات وأعمال ومهن وتقاليد ومدن وثقافات وقيم. فالفرد الذي يعمل بنفسه ولنفسه ويعلم ويداوي نفسه بنفسه، وهو ما تؤول إليه البشرية بفعل تقنيات الحوسبة والتشبيك والروبتة إنما ينشئ معنى جديداً للسلطة والسوق والمهن والمؤسسات والاحتياجات.
والحال أن السلطات والنخب وضعت نفسها في أسوأ موقف من اتجاهات التطور الإنساني؛ إذ تجد مصالحها تتناقض مع المعرفة والتطور، ولم تعد ترى لها خياراً للبقاء وحماية مصالحها ومكاسبها سوى الخواء والتطرف والخوف، فإذا كانت تريد ولاء الناس وتأييدهم من غير مشاركة عامة وحريات واسعة فلا مجال سوى أن يكون الناس على قدر واسع من الهشاشة وصعوبات التعلّم، ولا يمكن أن تقبل بتطوير التعليم والمهارات المعرفية وهي تعلم علم اليقين أنها بذلك تنشئ لدى الأجيال وعياً كافياً لملاحظة الخطل والفساد في إدارة وتوزيع الموارد العامة والفرص، وكيف تشجع الإبداع والتفكير النقدي وهي تدرك أنها بذلك تعرض الفاشلين المدللين الذين يستولون على الفرص والأعمال والمنح للتحدي؟ وكيف تؤمن بالحرية والعدالة وهي تعلم أنها واحتكاراتها وامتيازاتها ومكاسبها ستكون أولى ضحايا الحرية والعدالة؟
يقول أستاذ علم الاجتماع الهندي ديبانكار غوبتا إن الطبقات التي تتمتع بالامتياز أكثر من غيرها، ليست مهيأة للإصلاح، فهذه الطبقات هي الراعية للفساد والتبعية. والأغنياء أصحاب النفوذ الذين يمتلكون التقنيات المتقدمة وينعمون بالرفاهية ليسوا عصريين أصلاً، ولا يمكن الاعتماد عليهم لإدخال الحداثة، ما يجلب الحداثة برأي غوبتا هو الطاقات التحررية الكامنة في الدولة، وقوى التطور الصناعي والتمدن. ومع مرور الزمن، ستقوم هذه الوسائل معاً بفرض مدى أوسع من الوجدان الاجتماعي وقدرة أعظم للاشتراك في المصير مع الآخرين. فمن دون تغيير في العلاقات الاجتماعية، ومن دون زخم متسارع لنقاط التشابه المشتركة، واعتماداً على الحوادث التاريخية، فإنه من الممكن أن تتأخر الحداثة، أو تنهار أو تفشل على رغم النمو الاقتصادي، إذ يجب لتحقيق الحداثة أن تقلص الفجوة بين الطبقات الاجتماعية لأجل خلق تشابه كبير بينها. فالقدرة على زيادة مجموعة التشابهات وتعزيزها بين الناس هي مشروع المواطنة.

التعليق