محمد أبو رمان

"الجماعة".. ثانيةً

تم نشره في الجمعة 23 حزيران / يونيو 2017. 12:10 صباحاً

 ذكرنا في مقالٍ سابق أنّ "مسلسل الجماعة" (الجزء الثاني، الذي يعرض حالياً) ممزوج بدعاية سافرة واضحة ضد جماعة الإخوان المسلمين.
مع ذلك يبقى هنالك جهد علمي وبحثي مشهود يقف خلف المسلسل، وتحرٍّ لمعلومات عديدة في بناء "الدعاية العدائية" للإخوان، أي أنّ المسلسل ليس سطحياً وهشّاً، وقد دفعني إلى مراجعة العديد من الكتب والمقالات والمذكرات للتحري عن تفاصيل ومعلومات عديدة وردت فيه وإعادة قراءة بعض الأحداث والمواقف، بخاصة ما يتعلق بسيد قطب والتنظيم الجديد، الذي كان يشرف عليه في جماعة الإخوان، ومسألة التفكير في استخدام السلاح والعنف في مواجهة عبد الناصر.
من تلك الكتب كتاب "التاريخ السرّي لجماعة الإخوان المسلمين: مذكرات علي عشماوي"، وهو أحد أبرز الشخصيات التي عملت على تكوين "التنظيم الخاص" الجديد في الإخوان في الستينيات، وكان مقرّباً من سيد قطب، واعتُقل معه، ثم تراجع عن فكر الجماعة خلال مرحلة السجن، ومرّ بخصومة معهم، واضحة في كتابه (الذي لم أجده متوافراً ورقياً، فقرأته الكترونياً)، والكتاب الآخر هو كتاب سيد قطب الجدلي "لماذا أعدموني؟"، الذي ينفي باحثون ومقربون من سيد قطب أنّه كتبه، بالرغم من أنّ هنالك إقراراً بأنّ ما فيه دقيق وعميق، الذي يتحدث فيه عن علاقته بالإخوان وعن التنظيم الجديد.
على أيّ حال، اهتمامي الشديد، وكذلك الحال ما أتابعه من نقاشات لدى النخب المصرية، بمسلسل الجماعة يعود لأهمية الحقبة التاريخية التي يتناولها، في العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين وجمال عبد الناصر، وبروز سيد قطب في جماعة الإخوان المسلمين، وهي فترة تاريخية ما تزال غير مدروسة بعناية وعمق وغير واضحة لدى شريحة اجتماعية واسعة أولاً، ولدى نسبة كبيرة من أبناء جماعة الإخوان المسلمين ثانياً، الذين اكتفوا بتغليفها بطابع المحنة والصمود والتعذيب في السجون، من دون البحث المعمّق في أسباب ذلك والحقائق المتعلقة بالنظام الخاص وسلوك الإخوان وجدلية العلاقة بينهم وبين الضباط الأحرار.
أهمية إضاءة تلك الفترة تتجاوز القيمة الفنية والتاريخية إلى اللحظة السياسية الراهنة، فمن الضروري إعادة التفكير في كيفية التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين، أو الأحزاب الإسلامية المنبثقة من المدرسة نفسها، والاستفادة مما حدث في مرحلة الخمسينيات والستينيات، من حلّها، واتهامها بالإرهاب، ثم مطاردة أعضائها والزج بقادتها بالسجون وإعدام رموزها، وما جرّته تلك السياسات الرسمية من نتائج ما تزال آثارها قائمة إلى الآن.
من يدعون إلى حصار الجماعة وضربها وإغلاق المنافذ أمامها وحلّها في العالم العربي، ويحاصرون أبناءها في كل مكان، من المهم أن يقرؤوا تلك المرحلة، وأن يفكروا بالنتائج المتوقعة لهذه السياسات، ليس من باب حب أو كره الجماعة، أو صدقها أو ادعائها، بل من زاوية براغماتية واقعية سياسياً، فالقضاء على ملايين الأتباع من أبناء هذا الفكر لا يمكن أن يتم بهذه السياسات، إلا بقضاء إلهي، أمّا غير ذلك، فإنّ ما يحدث يدفع بالشباب المتحمس إلى طريق أخرى!
على الطرف الآخر، فإنّ أبناء الإخوان لديهم مشكلة جوهرية هي أنّهم لا يقرؤون، ولا يكلفون أنفسهم مراجعة تاريخ الجماعة والخروج من هالة التنظيم وعصاب الولاء له، بالتالي يتعاملون مع الرواية الرسمية للجماعة وكأنّها مقدسة، بالرغم من أنّ السمة الغالبة من أعضاء الجماعة في كثير من الدول العربية أنّهم من الطبقة الوسطى المتعلمة المهنية!
هنا، تحديداً، تكمن أهمية الفترة التي نتحدث عنها من مسلسل الجماعة، فهي تكشف كثيراً من المعطيات التي تساعدنا على فهم ديناميكية العلاقة بينها وبين الأنظمة وجدلية الإدماج والاستبعاد والإقصاء.

التعليق