ماجد توبة

معركة "داعش" على جبهة الإعلام!

تم نشره في الأربعاء 5 تموز / يوليو 2017. 11:04 مـساءً

"أين اختفى 35 ألف مقاتل من داعش؟!" سؤال طرحه الزميل علي سعادة بمقال بجريدة السبيل قبل أيام، ولقي تفاعلا واضحا، واستند أساسا بسؤاله التشكيكي إلى أن "لا جثث متناثرة على الطرقات ولا في الأزقة أو في الأبنية المهدمة.. لا صور لأسرى أو مقاتلين أحياء يهرولون أو يقاتلون خلف السواتر الرملية، حرب غير مسبوقة واستثنائية (...)".
المقال ساق عددا من التساؤلات والمعلومات، ليخلص لنهاية مفتوحة، مع ايحاءات واسعة بوجود نوع من المؤامرة بالمشهد كله، بل وبتشكيك بالقوة المتخيّلة أو المرسومة لـ"داعش"، أو هكذا على الأقل فهمت المقال، خاصة وهو يطلق استنتاجه منذ الفقرة الأولى بأنها حرب "بلا موتى وبلا أحياء أيضا!".
 لن أناقش أسباب وعوامل تأسيس "داعش"، بل أناقش زاوية معينة اعتقد أنها جديرة بالتحليل لهذه الالتباسات والغموض الذي يرافق معارك انهاء وجود التنظيم، وغياب صورة مقاتليه وقتلاه، والتي تشكل لُبّ مقال الزميل.
أعتقد أن التفسير له أكثر من جانب ووجه، وهي مجال أكثر من تحليل. شخصيا اعتقد أن أهمها هي الاستراتيجية الاعلامية الدعائية التي يتبناها هذا التنظيم، والتي بقي التوحش والرعب هو التأثير الاكبر والطاغي فيها لدى الرأي العام العالمي، حيث اعتمد ولرسم صورته وحضوره بالمشهد محليا وعالميا ومنذ احتلاله الموصل في 2014 استراتيجية نشر الصور والفيديوهات والرسائل المصورة لجرائمه البشعة بقطع الرؤوس وحرق الاسرى وسحلهم والقائهم من المرتفعات والقتل الجماعي.
التنظيم بنى صورته وقوته على أفعاله وتسجيلاته المرعبة بحق الخصوم، وهي استراتيجية اعلامية اصطلح على تسميتها "إشاعة التوحش والرعب" بنفوس الاعداء من جهة، ومنحا لمؤيديه شعورا بالقوة والتمكّن والغلبة. هو لم يبن صورته وحضوره على تكريس مفهوم الضحية أو المستضعف أمام خصومه، ولم يكن معنيا بنشر صور معاناة أفراده وأبناء رعيته وحاضنته المخلصة له، بل كان معنيا دائما بتقديم صورة توحشه ورعبه وقوته ضد اعدائه، والمغلّفة بخطاب سلفي طائفي متحجر يؤوّل الآيات والأحاديث لصالح خطابه المتعالي!
مرحلة الاستعراضات العسكرية الواسعة للتنظيم وتشكيلاته توقفت منذ بثّ استعراضاته الواسعة لاحتلاله الموصل، وقد ادت الغرض منها ضمن استراتيجيته الدعائية، لينتقل، بعد تشكل التحالف الدولي وبدء الضربات الجوية ضده، لمرحلة بات فيها اكثر حرصا من الناحية الامنية، ومقتصدا لحد التقتير بنشر صور وتسجيلات الاستعراضات العسكرية الواسعة، وبات ينتقي فقط تسجيلات تظهر توحُشهُ وتنكيله بلا رحمة بأعدائه!
منذ الحرب على العراق العام 1991، دخل لحيز الوجود مصطلح حرب الاعلام والصورة، حيث يعيش المشاهد في كل اصقاع الارض تفاصيل ومعاناة الحرب عبر شاشة التلفاز والفضائيات التي تبث أولا بأول. بتلك الحرب وفي حروب احتلال بغداد 2003 والعدوانين الاسرائيليين على لبنان 2006 وغزة 2008 وغيرها، كانت المدن ومناطق السكان المدنيين مفتوحة للاعلام والتصوير المباشر، ما نقل مآسيها لكل بيت حول العالم.
في حالة "داعش"، وبعد انتهاء مرحلة التأسيس والتوسع الصاعقة والمفاجئة، واثر انطلاق الحرب ضده من اكثر من جهة وبدء مرحلة الانكفاء، غابت الصحافة عن مناطق "دولة الخلافة"، بل وغاب حتى ما سمي بصحافة المواطن عن تلك المناطق التي حكمت بالحديد والنار والرعب، واذكر أن قناة "بي بي سي" احتفلت قبل شهرين بتسجيل مصور لسوق بالرقة صوره شخص وهو يقود سيارة بصورة غير واضحة. لم يكن الامر شبيها بالمناطق الاخرى التي سيطرت عليها التنظيمات المعارضة الأخرى، التي تعتمد بصورة لافتة استراتيجية اعلامية ودعائية منفتحة، تسعى لابراز المعاناة من القصف والعمليات العسكرية على المدنيين، وتركز على تكريس دور الضحية أمام الرأي العام.
هي محاولة لتفسير افتقادنا كمتابعين ومشاهدين للعالم المخفي لـ"داعش" خلف سواتر التراب والخنادق وركام الدمار وانفاق الهروب والتنقل، فالاخفاء والتعمية الاعلامية والتلفزيونية مقصودة، كما اعتقد، من التنظيم، وبما يتسق اولا مع استراتيجيته باظهار صورته متوحشاً ومرعبا وصلبا، ورفضه للظهور بمظهر الضحية، وأيضا بما يخدم احتياطاته الأمنية لافراده بمعركة البقاء التي يخوضونها اليوم.
  ربما لكل ذلك جاءت الحرب بين مقاتليه بلا موتى ولا أحياء ايضا! والله أعلم.

التعليق