"تطوان وحكايا أخرى" لسميح مسعود: كتاب رحلات أم أدب أم عمل موسوعي؟

تم نشره في الخميس 6 تموز / يوليو 2017. 11:00 مـساءً

د. أيّوب أبو ديّة

هل كتاب الدكتور سميح مسعود "تطوان وحكايا أخرى" هو كتاب في أدب الرحلات أم قصة أم عمل موسوعي مرتبط بثلاثيته "البحث عن الجذور" أم ماذا؟ يحتار المرء في تصنيف هذا الكتاب الذي صدر عن دار "الآن ناشرون" بعمان مؤخراً، فهو يبدأ رحلته من مدينة مونتريال بكندا إلى المغرب العربي، وفيه وصف لأدق التفاصيل للناس والأبنية والآثار والحدائق والطرقات والساحات، بل وفيه تتبعاً للشعر والشعراء والرحالة والسياسيين والأدباء والفنانين الذين زاروا المغرب وتركوا آثاراً فيه.
الكتاب ليس سرداً تقليدياً للرحلات، من حيث أن شخصية المؤلف بطبيعتها هي شخصية متجددة تلقائيا وحوارية الطابع لا تترك فرصة إلا تغتنمها لمعرفة المزيد. فعندما يركب سيارة أجرة في مونتريال متجهاً للمطار مع سائق مغربي يعده أن يزور واحته في المغرب "واحة زيز" بالقرب من مدينة الورزازات الواقعة في الجنوب، فيفعل ذلك وفاء للوعد، علماً بأنها في أقصى جنوب المغرب. وعندما يجلس إلى جانب "علال" في الطائرة ويتعرف إليه لأول مرة يستمر اللقاء وينظمان معاً لقاءَات متتابعة في الدار البيضاء؛ وفي رحلته جنوباً يجلس الشاب محمود إلى جانبه عن طريق المصادفة ويصبح دليله ويخبره بأدق التفاصيل؛ وفي رحلته البحرية من تطوان إلى جزيرة طريفة يتعرف إلى "أنطونيو"، أحد سكان الجزيرة، الذي يطوف به في جزيرة طريفة و"الجزيرة الخضراء".
وفي "مقهى الأوداية" بالرباط يتحدث إلى شاب اسمه محمد ملين من أصول أندلسية كان يجلس في المقهى قريباً منه فيما كان يقرأ كتاباً بعنوان "زفرة الموريسكي"، فيصبح محمداً دليله إلى ثقافة الأندلس وارثه من روائيين وشعراء ومفكرين مغاربة كاشفاً نشاطهم الاجتماعي والسياسي عبر "جمعية ذاكرة الأندلسيين المهجرين" التي سعت لإعادة الاعتبار للحضارة الأندلسية بوصفها مكوناً أساسياً للثقافة الأسبانية، شأنها شأن إعادة الاعتبار لليهود السفردين من قبل الحكومة الإسبانية. وتخاله يربط ذلك بمعاناة الشعب الفلسطيني وفقدانه للهوية وأبسط حقوق الإنسان. وينتهي اللقاء بتقديم محمد مجموعة من هواتف آل الإدريسي الذين يعرفهم هذا المثقف لعل أحدهم يرشده إلى ذرية رشيد الإدريسي الذي كان من أعز أصدقاء والد الكاتب في حيفا قبل النكبة والذين تعود أصولهم إلى مدينة فاس التاريخية التي عزم على شد الرحال إليها لاستكمال البحث عن جذوره في حيفا ... وبرقة.
وفي فاس يلتقي بصديقه جلالي بن إدريس ويزورا الزقاق الذي يقع فيه بيت العلامة ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع وصاحب المقدمة الخالدة، وتجده يتساءل لماذا لا يصبح بيت ابن خلدون متحفاً، تاركاً الإجابة والتفكير النقدي للقارئ! وأيضاً زارا مسكن الشاعر الأندلسي لسان الدين بن الخطيب صاحب الموشح الشهير:
جادك الغيث إذا الغيث هما ... يا زمان الوصل بالأندلس.
ويزور جامعة القرويين التي تعتبر أقدم جامعة في العالم ويلقي الضوء على أنها تأسست بمبادرة من أميرة اسمها فاطمة بنت محمد الفهري الحجازية الأصل وكأنه يتساءل كم من امرأة أسست جامعة في بلاد الشام؟ ويدخل إلى مكتبة الجامعة ويتفحص المخطوطات القديمة كمخطوط "البيان والتحصيل" لابن رشد، ومخطوط ابن خلدون "العبر وديوان المبتدأ والخبر" و"الأرجوزة الطبية" لابن جبير، ويستعرض الأساتذة الذين درسوا في الجامعة من موسى بن ميمون إلى محي الدين بن عربي وغيرهما، ولا ينسى أن يشير إلى أن علماء الغرب عندما كانوا يدرسون في تلك الجامعة ومنهم البابا سلفستر الثاني في نهاية الألفية الأولى، وهو الذي أدخل الأعداد العربية إلى أوروبا.
ثم ينطلق مؤلفنا إلى مدينة مكناس التي أصبحت عاصمة العلويين العام 1672، ويزور جامعة مكناس وقصورها وأضرحتها وشوارعها المزينة والمزخرفة، لينتقل بعدها إلى مدينة إفران التي يشرح تاريخها الامازيغي ويشير إلى أن اسمها يعني الكهف باللغة الامازيغية، وأنها ترتفع كثيراً عن سطح البحر ولذلك فإن طقسها بارد وتكسو جبالها الثلوج، وفيها أكبر بحيرات الأطلس المتوسط. ويتحدث عن متنزهات واسعة بالقرب من بحيرة "دايت عوا"، ويشير إلى أن هذه المتنزهات محمية بالقانون لتحقيق التوازن البيئي وحماية الموارد الطبيعية من الاستنزاف، وكأنه يغار على مشرقه لافتقاره إلى هذه الميزات الرفيقة بالبيئة المستدامة.
وأخيراً، يفي بوعده لسائق التكسي الذي أقله إلى المطار في مونتريال، ويتحدث خلال رحلته لساعات طويلة مع الشاب محمود الذي جلس إلى جانبه، وتندرا بتراجع حال العرب في هذا الزمن الرديء وتبادلا أبيات الشعر ثم انتقلا إلى قصيدة المطر لبدر شاكر السياب في التغزل بالنخيل، وكذلك لبعض أشعار أبو علاء المعري وعبد الرحمن الداخل، وكأننا أصبحنا في مبارزة شعرية تتحدث عن جمال الطبيعة الصحراوية التي عبر الكاتب عنها بأسلوب أدبي راقٍ، كما في قوله:
"غرقت في بحر من التأملات عند اكتمال عتمة الليل، نظرت إلى السماء مشدود الأجفان، حضنتها في عيني على امتداد الأفق، كانت زرقاء صافية مرصعة بالنجوم، .............".
وأخيراً يصل إلى مدينة الورزازات المشمسة والتي تحتضن أكبر مشاريع الطاقة الشمسية في العالم العربي اليوم والتي اتضح ايضا أنها مركز عالمي لتصوير الأفلام حيث صور فيها فيلم "موروكو" قبل تسعين عاماً، وفيلم "أوتيلو" وفيلم "لورنس العرب" بطوله بيتر أوتول وعمر الشريف؛ وتعتبر المدينة بمثابة "هوليود إفريقيا" واقعة في قلب الصحراء تعلو من حولها جبال شامخة تكسوها ثلوج؛ وفيها من بقايا الأفلام مجسمات ضخمة كمعبد أبو سنبل المصري من بقايا فيلم كيلوبترا ومجسمات للقدس من فيلم عن صلاح الدين الأيوبي Kingdom of Heaven، ويعود مرة أخرى ليستخدم الأسلوب الأدبي الراقي نفسه في وصف الورزازات بقوله:
"...، استحوذ علي سحر منظرها في الليل، وهي تستدرج النجوم على اتساع فضائها، ..".
وفي مراكش يضيف الكاتب إلى روعتها روعة عبر وصف المدينة التي احتلت مؤخراً المركز الأول كأفضل مدينة للعيش في إفريقيا بين 60 مدينة إفريقية، متجاوزة جوهنسبرغ والقاهرة وفاس والدار البيضاء والإسكندرية، حيث يلقي الضوء على جمالها الطبيعي ونهرها والجبال المحيطة بها والتي تعتلي قممها الثلوج؛ ولكنه أيضاً يركز على الجانب الاجتماعي فيها حيث أصبحت المحامية فاطمة الزهراء المنصوري أول امرأة تترأس بلدية مراكش في العام 2009.
ثم يبدع في الوصف المعماري لقصر البديع ويربط تصاميمه بقصر الحمراء بغرناطة، ويتحدث عن الزخارف من خشب الأرز في سقوفها التي بلغت 150 سقفاً تمت زخرفتها وتلوينها بمواد طبيعية تتكون من الحنة والزعفران وقشر الرمان والأعشاب البرية، ... تخاله معمارياً محترفاً يصف المبنى بشغف وأسلوب بديع يتألق أكثر عندما يصل إلى حديقة ماغوريل وشلالات ستي فاطمة وفندق المأمونية، حيث يصف حديقة جاك ماغوريل، الرسام الفرنسي الذي خططها وبدأ في تنفيذها عام 1924،ويعود مرة أخرى إلى متنزه أوريكا الطبيعي جانب نهر أوريكا الذي ينبع من جبال الأطلس الكبير ويتحدث عن البيئة الطبيعية مرة أخرى ويركز على التنوع الحيوي ويبدي خوفه على الأرض من تلويث الإنسان لها. وأخيراً يصل إلى فندق المأمونية الشهير الذي نال جائزة أفضل فندق في إفريقيا والشرق والأوسط للعام 2015 وفيه نزل الكثير من المشاهير في العالم لا مجال لذكرهم هاهنا.
ومن أهم من توقف عندهم الكاتب المستعرب الإسباني "خوان كوتيسولو" الذي تميزت كتبه بالتجديد في الأدب الأسباني المعاصر والذي ناصر القضية الفلسطينية وقاوم الاستبداد والظلم والذي اعتبر أن اتفاقية أوسلو محض استلاب كامل لإرادة الشعب الفلسطيني. كذلك رفض خوان جائزة القذافي للآداب لعام 2009 بينما حصل في عام 2014 على جائزة سرفانتس الأدبية، مكافأة له على قدرته العالية في تطويع اللغة ولتحقيقاته اللغوية العميقة ودفاعه والتزامه بالحوارات الثقافية وقدم الجائزة هدية للشعب المغربي الذي أحب، وهي كلها مشروعات تؤرق كاتبنا سميح مسعود وتجد صداها منثورة بين صفحات الكتاب على نحو ما تجد حيفا وفلسطين منثورة في كل فصل وعند كل ركن من أركان تطوان وأماكن أخرى. وأخيراً يعرفنا على كتاب "خوان" المترجم إلى اللغة العربية عن الإسبانية وعنوانه: "إسبانيا في مواجهة التاريخ .. فك العقد". ومما سيؤلم الكاتب أن خوان قد توفي في مطلع شهر حزيران 2017 بعيد انتهاء رحلة كاتبنا.
ثم يتجه الكاتب إلى طنجا الواقعة في أقصى شمال المغرب حيث عاش ابن بطوطة ويصف سحرها بأسلوبه البديع كما في قوله:
"كانت السماء صافية زرقاء مكسوة بغلالة من النجوم، ... مشيت بعض الوقت والأمواج تتلوى حولي على اتساع المدى، ...".
ويزور فيها فندق "فيلا دي فرانس" الذي اشتهر فيه الفنان الفرنسي هنري ماتيس مؤسس المدرسة الفنية التي اشتهرت في بداية القرن الماضي باسم الوحشية، حيث اشتهرت إحدى لوحاته العارية وأخرى لنافذة الغرفة التي عاش فيها العام 1912 بعنوان "نافذة من طنجا". ويذهب إلى موقع خاص قيل أن لحظات الصباح الأولى هي من أجمل المناظر التي تقع في منطقة "رأس مالا باطا" المطل على البحر المتوسط فينطلق فجراً لمراقبة بزوغ الشمس وهو يردد في داخله شعر قاسم حداد. ويزور جامع القصبة وهو أقدم مسجد في المدينة ويلاحظ مأذنته مثمنة الأضلاع بعيون معمارية ذكية ثم يزور مشروعا ثقافيا أخر إلى جانب المكتبة العصرية التي أسستها سيدة فرنسية. ويزور مشروع "سنماتيك طنجا" الذي هدفه نشر الثقافة السينمائية في طنجا والمغرب ويعرفنا بمطعم "الخبز الحافي" تيمناً برواية محمد شكري؛ هذه الرواية التي ترجمت حتى الآن لما يقرب من 40 لغة عالمية.
ثم ينتقل في رحلة بحرية إلى مدينة طريفة والتي سميت كذلك تيمناً باسم القائد طريف بن مالك الذي دخل إلى الأندلس مستطلعاً أراضيها قبل طارق بن زياد، وقد اطلعه أحد سكانها على وجود مخطوطات هائلة منذ العصر الأندلسي محفوظة في مكتبة الأسكوريال بمدريد. ثم انتقلوا إلى الجزيرة الخضراء التي يتوسطها تمثال برونزي كبير للمنصور محمد بن أبي عامر الذي وُضع هناك احتفالا بالذكرى الألفية لوفاته التي صادفت العام 2002 تقديراً من الإسبان لفضل العرب. ثم يتابع رحلته إلى جبل طارق ويعود بعدها إلى تطوان التي خلدها الشاعر السوري فخر البارودي الفلسطيني الأصل بقصيدته التي مطلعها:
بلاد العرب أوطاني ... من الشام لبغدان
ومن نجد إلى يمن ... إلى مصر فتطوان
ويفاخر بتميز تطوان باعتلاء امرأة سدة الحكم فيها منذ ما يقرب من 500 عام، وهي ابنة الأمير علي بن موسى بن راشد، ثم يستمر في رحلته إلى مدينة سبتا التي احتلتها إسبانيا وأعادت إلى ذاكرته معبر بيت حانون (بيرس) شمال قطاع غزة، ويعود إلى طنجة وينطلق منها مرة أخرى إلى مدينة أصيلة التي تستضيف أعرق المهرجانات العربية الثقافية حيث آثار الثقافة موجودة في كافة جنبات المدينة، وقد جعلوا في حدائقها ذكرى لصفوة من الشعراء والأدباء والمفكرين منهم محمد عابد الجابري وأحمد البقالي ومحمود درويش وبلند الحيدري ومحمد الحبابي والطيب صالح. ولا يتوقف كاتبنا عند الأدب فحسب بل يتحدث عن الموسيقى والآلات الموسيقية التقليدية ويفصلها تفصيلا.
ثم يعود إلى الدار البيضاء استعدادا لإشهار كتابه السابق "البحث عن الجذور حيفا.. برقة"، ويقرر في النهاية أن يودع الرباط بزيارة مكتبتها التي وجد فيها مخطوطه قديمة تعود إلى القرن الثالث هجري بعنوان "حذف من نسب قريش" لمؤلفها مؤرج بن عمرو السدوسي، فضلا عن مخطوطات أخرى من الحضارة الأندلسية على امتداد القرن العاشر الميلادي والذي يعتبر أنها كانت وراء النهضة الأوروبية، ويتحدث ببعض التفصيل عن أثر الحضارة العربية على النهضة الأوروبية بعامة وكيف امتدت إلى جامعة مونبلييه الفرنسية حيث كانت اللغة العربية هي لغة تدريس الطب فيها وكيف اعتمدها رجال الدين الأوروبيين في التأليف وشرح الكتاب المقدس.
وأخيراً يعود إلى تطوان للبحث عن علاقات العائلات المغربية بفلسطين، حيث استضافه شقيق الذين درسوا في مدرسة النجاح بنابلس، وهو من آل بنونه، حيث تم ايفاد 4 من أخوانه في العام 1928 إلى نابلس وتوثيق ذلك في كتاب أبو بكر بنونه الذي صدر العام 2010 بعنوان "اهتمام الحركة الوطنية في شمال المغرب بالقضية الفلسطينية" انطلاقا من العام 1929 الذي يذكر فيها احتفالات تخريج الطلبة والأشعار التي قيلت فيهم من قبل الشعراء عبد الرحيم محمود وإبراهيم طوقان وغيرهما.
وفي الصفحات الأخيرة من الكتاب يسأل الكاتب السيدة خديجة السلاوي زوجة الراحل المهدي بنونه متى بدأ حبها لفلسطين، فتجيب:
"عندما كنت جنينا في رحم أمي"
أخال لسان حال سميح مسعود يردد هذه المقولة كل يوم ودمع الشوق يتدفق من مقلتيه!

التعليق