هل سيكون هناك تشديد مفاجئ للسياسة؟

الأسواق قلقة إزاء البنوك المركزية

تم نشره في الاثنين 10 تموز / يوليو 2017. 11:00 مـساءً
  • البنك المركزي الأوروبي (ارشيفية)

ترجمة: ينال أبو زينة

في رواية جين أوستن بعنوان "العقل والعاطفة"، يغرق موت داشوود زوجته وابنتيه إلينور وماريان، في ضائقة مادية، وذلك لأن وريثه يمنحهن بدلاً ضئيلاً ليس إلا.
وقد بدأ المستثمرون في سوق السندات بالقلق من احتمالية حدوث أمر مماثل في الواقع.
ومنذ العام 2009 والبنوك المركزية تدعم الأسواق المالية بشكل لا يعقل -محافظةً على أسعار الفائدة في معدلاتها الأخفض تاريخياً ومبتاعةً ما قيمتها تريليونات الدولارات من السندات.
ولكن، في الأسابيع الأخيرة، بينت العديد منها أنها قد تخفف سخاءها.
لقد دفع الاحتياطي الفدرالي أسعار الفائدة إلى الارتفاع بشكل بطيء، وتحدث عن تخفيض حجم ميزانته العمومية، وذلك من خلال تخليه عن إعادة الاستثمار في عائدات السندات عندما تنضج.
وكانت هناك مقترحات أخرى تقول إن بنك كندا المركزي ربما يعمد إلى رفع أسعار الفائدة هو الآخر ضمن قرارات اجتماعه المقرر في الثاني عشر من الشهر الحالي.
وبالإضافة إلى ذلك، لمح كل من مارك كارني، محافظ بنك بريطانيا، وآندرو هالدان، كبير الاقتصاديين فيه، إلى احتمالية رفع أسعار الفائدة في أجندة كل منهما.
ولكن أكبر الصدمات التي ضربت الأسواق حدثت في السابع والعشرين من الشهر الماضي، عندما لاحظ ماريو دراغي، رئيس البنك المركزي الأوروبي، أن "قوى الانكماش تستبدل قوى التضخم".
وكانت النتيجة الارتفاع المفاجئ في غلة السندات ويحمل "ماريو الخارق" والمستثمرون هنا حملاً ثقيلاً؛ وقد احتسب له إيقافه أزمة اليورو في العام 2012، عندما تعهد بأنه سيفعل ما بوسعه لإنقاذ العملة الواحدة.
وحاول البنك المركزي الأوروبي التخفيف على المستثمرين عقب هذا البيان.
وفي سياق متصل، يعتقد الاستراتيجي في بنك اسكتلندا الملكي، منصور محيي الدين، أن الأسواق بالغت بانفعالها تجاه كلمات السيد دراغي.
وليس البنك المركزي الأوروبي بصدد إيقاف حوافزه.
ويعتقد دراغي أن البنك سيكتفي بالتنويه إلى تخفيض معدلات شرائه الشهرية من 60 مليار يورو إلى 40 مليارا بدءا من العام 2018، وذلك خلال أيلول (سبتمبر) المقبل.
وكانت هناك بعض التكهنات التي تقول إن البنوك المركزية عمدت إلى تنسيق التعليقات فيما بينها.
ولكن التفسير الأبسط للمسألة هو أنها كانت تستجيب للعوامل نفسها.
ففي البداية، يبدو أن النمو العالمي قد تصاعد في النصف الثاني من العام 2016، ما أتاح للبنوك سحب بعض حوافزها.
ثانياً، تعطي سياسة التشديد التي اتبعها الاحتياطي الفدرالي البنوك الأخرى الحماية اللازمة للمخاطرة، لاسيما وأن اتباع أي بنك لهذه السياسة بمفرده سيؤدي إلى رفع قوة عملته بشكل كبير، ما سيؤدي إلى دماره في النهاية.
الحذر أمر لا غنى عنه في الدعوة إلى دورة سوق السندات، وهي مناسبة تم التنبؤ بها في مرات عديدة من قبل.
وبالكاد عكست غلال السندات بعض الانخفاضات التي شوهدت في وقت مبكر من العام الحالي.
وما يزال التضخم في معظم الاقتصادات راكداً باستثناء بريطانيا في ظل التراجع الذي لحق باستفتاء مغادر الاتحاد الأوروبي.
وربما تكون السندات البريطانية أيضاً أقل جاذبية بالنسبة للمستثمرين الدوليين، والسبب يتمحور حول الإشارات التي تقول إن عجوزات الميزانية سوف تتسع في ظل الحكومة المحافظة الحالية، وسوف تسوء الأوضاع أكثر في حال تقلدت المعارضة العمالية زمام السلطة.
وهناك إشارات أخرى تقول إن الانتعاش العالمي قد لا يكون قوياً.
وقد انخفضت أسعار السلع الأساسية، التي تعد معياراً للطلب العالمي، منذ بداية العام الحالي. ويبدي الاقتصاد الصيني بوادر فقدان زخمه، وفقاً لشركة "كابيتال إيكونوميكس" الاستشارية. ومن جهته، يقول ديفيد أوين من بنك "جيفريز" الاستثماري، إن التجارة العالمية والإنتاج الصناعي ينموان بمعدل سنوي يدنو الـ2 %، بالاستناد إلى بيانات الشهور الثلاثة الماضية. ويتابع موضحاً "لا يتناسب ذلك مع الانتعاش القوي في الاستثمار".
وعلى البنوك المركزية أن تتقدم بحذر في الحقيقة؛ بحيث أصبح الدين العالمي يشكل حصة أكبر من الناتج المحلي الإجمالي مما كان عليه قبل الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت في العام 2007.
وجعلت أسعار الفوائد المنخفضة إلى حد كبير من الاقتراض أمراً مستداماً، لكنها شجعت الشركات والعملاء أيضاً على تحمل مزيد من الديون.
وحذر التقرير السنوي لبنك التسوية الدولي، والذي صدر في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، من المخاطر المتنامية للائتمان في عدد من الاقتصادات النامية والاقتصادات المتقدمة الأصغر.
وأوضح التقرير في هذا الشأن، أن انتكاسات الدورة المالية ربما تضعف الطلب والنمو، وليس أقلها من خلال تخفيضها الاستهلاك والاستثمار.
ويخشى البنك أيضاً أن تقود عودة الحمائية التجارية إلى استنزاف القوة الاقتصادية العالمية.
إن التحفيز النقدي أمر يسهل بدؤه من إنهائه وقد مضى أكثر من ربع قرن على انفجار الفقاعة اليابانية في العام 1990، والبنك المركزي الياباني ما يزال يضخ الأموال في الاقتصاد محاولاً إبقاء عشر سنوات من غلات السندات عند مستوى الصفر.
وفي نهاية الرواية، تجد كل من إلينور (العقل) وماريان (العاطفة) الرضا مع قسيس وعقيد متقاعد، على التوالي.
وعلى النقيض من أوستن، لا تستطيع البنوك المركزية أن ترتب دائماً لنهاية سعيدة.

"الإيكونوميست"

التعليق