محمد برهومة

كسبٌ أردني باكتشاف "مساحات التحرك"

تم نشره في الجمعة 14 تموز / يوليو 2017. 12:06 صباحاً

ليس جديداً على سياسة الولايات المتحدة، بوصفها أقوى دولة في العالم، أنْ تحرص على نسج علاقات، بما فيها من تناقضات وغموض، في كل أنحاء العالم، مع الأطراف السياسية القوية والفاعلة، الرسمية وغير الرسمية، الحكومات أو الكيانات ما دون الدولة. هذا بالطبع مهمٌ لأميركا لتقدير المواقف وتوفير البدائل باستمرار. وهو يعني أن الجمع بين التناقضات سياسة متعمدة وتحقق أهدافاً مدروسة، يعززها رغبة أي طرف سياسي أو عسكري ببناء علاقةٍ ما مع الامبراطورية الأميركية. هذا يصحّ مع الدول الكبرى ومع دول شرق أوسطية مثل تركيا ودول الخليج والأردن، ومع كيانات ما دون الدولة، مثل الأكراد وفصائل سورية معتدلة وغيرها.
والحقيقة أن المفاجآت باتت من علامات عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الفارقة في السياسة الخارجية. فقبيل اجتماعه مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين على هامش قمة العشرين الأخيرة في هامبورغ في ألمانيا، حطّ الرئيس الأميركي في أوروبا مستبقاً التفاوض مع نده الروسي، فاتّهم ترامب روسيا بـ"زعزعة الاستقرار"، فيما تولى وزير الخارجية ريكس تيلرسون رمي "جزرة المساومة" حين تحدث عن الاستعداد للاتفاق مع موسكو على مناطق حظر جوي. وبالفعل، بعد اللقاء بين الزعيمين في هامبورغ سمعنا عن اتفاق أميركي-روسي-أردني على وقف إطلاق النار في مناطق جنوب غرب سورية. وعند التدقيق نستنتج أن توقيع الاتفاق ووصف ترامب لقاءه مع بوتين بـ"الرائع" أمرٌ لا ينسجم مع حديثه المسبق عن "زعزعة روسيا للاستقرار".
النقطة هنا أنّ قدرة وتمكّن شركاء أميركا في المنطقة من اكتشاف هوامش المناورة ومساحات التحرك المتاحة لهم في اللعبة الدولية وسياق النظام الإقليمي وملفاته المختلفة مسألة مهمة وتتطلب رصداً وقراءة دقيقة بهدف عدم الاصطدام بالخطوط الحمراء الأميركية والدولية، وبهدف التأثير في تفاعلات الحراك الإقليمي. لقد كانت هذه مسألة معقدة وصعبة للسعودية والإمارات، مثلاً، حين كانت سياسة واشنطن في مصر غامضة إبان أحداث 25 يناير 2011 و30 يوليو 2013. وقتها لم تقدم الإدارة الأميركية موقفاً واضحاً، وبقيتْ متأرجحة إلى حين غلبة الشوكة والتمكين لأحد الطرفين، وهو ما تمّ عبر التدخل الإماراتي-السعودي في مصر (وعلى العكس من الرغبة القطرية-التركية)، وهو ما جرى، وإن بشكل مختلف، في البحرين أيضاً العام 2011.
اتفاق هامبورغ السوري كان في الواقع حصيلة مسار تفاوضي معقّد بعيد عن الأضواء، ولم يكن ابن لحظته، وهذا يكسبه طابعاً مفصلياً، ويضع الأردن في خضم إرساء ترتيبات بعيدة المدى تتضمن مناطق جنوب غربي سورية، وبما يؤمّن حدود الأردن، ويمنع إيران من الاقتراب من هذه المنطقة، وهذا هدف أردني.
 ويتعزز الحضور الأردني في تأمين المصالح الوطنية على الحدود الشمالية من خلال إنشاء مركز مراقبة في الأردن لرصد مسار الهدنة عبر أقمار صناعية وطائرات من دون طيار، كما نص الاتفاق. ومن الواضح أن هذا كسب استراتيجي أردني؛ حيث أفشلت هذه الترتيبات سعي إيران ومليشياتها تطويق مناطق جنوب سورية، كما أفشلت نية المجموعات الإرهابية المرتبطة بـ"داعش" من الانتشار الآمن في تلك المنطقة.
إذاً، يُحسب للأردن القدرة على إدارة حسابات معقدة بين واشنطن وموسكو في الملف السوري، واكتشاف حدود المناورة المسموح بها، ومساحات التحرك المتاحة في سياق التنافس بين الدولتين العظميين، والمؤكد أن في إجماع هاتين القوتين على محاربة الإرهاب ومنعه من الوصول إلى حدودنا وإصرارهما على عدم الاستجابة للطموحات الإيرانية في الجنوب السوري ما يُشكِّلُ ربحاً أردنياً خالصاً.

التعليق