ركوب الأمواج في غزة.. رياضة البحث عن متنفس رغم الحصار

تم نشره في الاثنين 31 تموز / يوليو 2017. 11:00 مـساءً
  • "نادي ركوب الأمواج في غزة" يُساهم بإدخال الفرح الى قلوب الغزاويين
  • باميلا كسرواني - متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية

باميلا كسرواني

متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية

عندما تُشاهد فيلم "نادي ركوب الأمواج في غزة"، تُصيبك هذه الحالة من الدهشة والصدمة التي غالباً ما تُصيبنا عندما نتذكر ما نسيناه أو تناسيناه: حتى في أكثر أماكن العالم قهراً وفقراً، تتواصل الحياة ويُزهر بصيص أمل ويحاول السكان أن يُكملوا حياتهم "بالتي هي أحسن" و رغم أنف الظلم.
هذه هي الحال في غزة! فعلى الرغم من سنوات الحصار والحروب، يبدو أن رياضة ركوب الأمواج التي ساهم الفيلم الذي ذكرته في تسليط الضوء عليها مؤخراً كانت موجودة منذ سنوات طويلة وتحوّلت إلى رياضة وشغف العديد من الشباب الغزاويين.
يحملنا الفيلم الوثائقي للمخرجَين فيليب غناد وميكي يمين في رحلة بصحبة راكبي الأمواج في مدينة غزة التي يعتبرونها سجناً كبيراً من دون جدران بسبب وطأة الحصار الإسرائيلي وصعوبة الخروج والدخول منها. ويخبرنا المخرج غناد "هذا الاهتمام نابع من اهتمامي بالمنطقة بشكل عام وتحديداً بفضل صديق لي منحني صورة مختلفة عمّا نقرأه في الصحف والأخبار لا بل عن الحياة بين حربين. كان من الجيد أن أسمع أشياء أبعد من "الاحتلال" و"الإرهاب" وبدأت رحلة البحث عن مواضيع مختلفة إلى أن اكتشفت مقالاً حول راكبي الأمواج في غزة وأردت أن أعرف المزيد".
رحلة البحث عن المزيد، حملته إلى التعاون مع المخرج والمنتج المصري ميكي يمين وإلى التعرف على العديد من راكبي الأمواج في غزة لتُتوّج بفيلم وثائقي جميل يجعل من الغزاويين أبطالاً يتحدثون عن إنجازاتهم وأحلامهم الرياضية ويجعلنا نشعر، ولو قليلاً، بالصعوبات التي يعانونها؛ صعوبات واجهت أيضاً المخرجَين.
وهنا يخبرنا يمين:" "لا شك أن التخطيط للسفر إلى غزة أكثر تعقيداً من السفر إلى جنوب فرنسا مثلاً. فقد تطلب منا بعض الوقت والأبحاث لنجد طريقة للدخول إلى المنطقة من دون أن ننسى المتطلبات اللوجستية مثل التراخيص المطلوبة لنا ولمعداتنا، التدابير من أجل حماية ما صورناه من الرقابة أو المصادرة. حاولنا أن نتخلص من أكبر عدد من القيود لاسيما أننا أردنا الدخول بالطرق الرسمية". ويتابع ليقول إنهم، بعد العودة من رحلة البحث عبر معبر رفح، تبدلت الأوضاع السياسية في مصر وتعذّر عليهم الحصول على التراخيص للدخول مجدداً. حينها، قرروا الحصول على تأشيرات دخول من معبر إيريز الإسرائيلي بعد أن قاموا بتأجيل التصوير مجدداً بسبب حرب "الجرف الصامد" عام 2014.
 رحلة دفعتنا إلى التواصل مع تلك الشخصيات في رحلة بحث خاصة بنا لنكتشف بداية قصة رياضة ركوب الأمواج في غزة وما حلّ بأبطالها. وهنا يُخبرنا محمد (44 سنة) "أحببت هذه الرياضة عندما تعرّفت عليها من خلال مشاهدة برنامج على التلفزيون. وبدأت أتزلّج بالطريقة التقليدية، أي على قوارب المجداف الخشبية. كنت وصديق لي متعلقين جداً بالبحر ونجحنا في شراء لوحة خشبية وطوال تسع سنوات، مارسنا رياضة ركوب الأمواج على لوحة واحدة".
إلا أن الوضع تغيّر بعض الشيء عندما نال هؤلاء اهتمام راكبي أمواج أجانب. وهنا يُخبرنا ماثيو أوسلين، مؤسس "نادي ركوب الأمواج في غزة" أن والده كان ديبلوماسياً أمريكياً عمِل في غزة خلال التسعينيات ما حتّم عليه زيارة القطاع منذ أن كان في الـ 13 من عمره. كما أنه صادف ذلك مع بداية مشواره مع رياضة ركوب الأمواج. ويتابع قائلاً: "خطرت لي فكرة تأسيس نادٍ في 2007 وانتقلت للعيش في تل أبيب من أجل تطويرها. وفي الوقت ذاته، كان صديقي أرثر راشكوفان أطلق جمعية "ركوب الأمواج من أجل السلام" ويُرسل الألواح إلى غزة. وبالتالي، كانت الجهود لدعم هذه الرياضة قد بدأت وأسست منظمة غير ربحية "إكسبلور كوربس" من أجل دعم الرياضة وإطلاق "نادي ركوب الأمواج في غزة  "كمشروع تجريبي نهاية 2008".
  من جهته يقول محمد: "بفضل هذه الجهود وصلتنا مجموعة من الألواح ما ساعدنا على تدريب بعض الشباب. إلا أن الإمكانيات كانت وما زالت ضعيفة "فلا مصانع ولا ألواح كافية وحتى تلك التي نملكها باتت بالية بأغلبيتها". لا بد من الإشارة إلى أن إسرائيل تعتبر هذه الألواح الخشبية من البضائع المحظور استيرادها إلى القطاع.
وفي محاولة من أجل حلّ مشكلة الألواح، أراد ماثيو مساعدة أحد الشباب على متابعة دورة في هاواي علّه يعود ليُحقق حلمه. هذا الشاب اسمه إبراهيم (26 سنة) ويخبرنا: "عرفت هذه الرياضة منذ صغري لأن أعمامي كانوا يمارسونها على ألواح للشراع لا لركوب الأمواج وأنا بدأت ممارستها عندما كان عمري 15 سنة؛ بداية متأخرة لأن الألواح غير متوفرة".
وبالفعل، يطلعنا ماثيو أنه تعرّف على ابراهيم عندما كان في الـ 16 من العمر وكان قد تلقى إحدى الألواح من جمعية "ركوب الأمواج من أجل السلام". في تلك المرحلة، كان ماثيو يحاول أن يفتح نادٍ لركوب الأمواج حيث يستطيع الشباب أن يلتقوا ويتبادلوا خبراتهم ومواردهم من أجل استدامة هذه الرياضة. وعام 2011، باءت محاولتان بالفشل. وهنا يشرح لنا :"الأولى لأن شريكنا ترك غزة والثانية لأن حركة حماس لم تمنحنا الترخيص لبناء النادي". إلا أنه سرعان ما اكتشف أن عائلة إبراهيم قد تملك الحل، وهو مبنى يستطيعون إنشاء نادٍ فيه.
أضف إلى ذلك أن إبراهيم، من جانبه، كان يريد أن يفتح متجراً لبيع الألواح ومستلزمات الرياضة، فاتّفق الرجلان على التعاون من أجل توفير مقر لنادي ركوب الأمواج ولمشغل صيانة الألواح. وهنا جاءت فكرة ماثيو أن يدعو إبراهيم إلى هاواي من أجل متابعة دورة في صيانة الألواح. ويقول: "كان هدف الرحلة أن يتعلم إبراهيم طريقة عمل متاجر رياضة ركوب الأمواج والنوادي لكي يُطبق نموذج الأعمال في غزة".
إلا أن الحصول على تأشيرة دخول للولايات المتحدة كان صعباً لاسيما أن إبراهيم رُفض مرات عدة قبل أن يحصل عام 2015 على التأشيرة ويتوجه إلى هاواي حيث يُخبرنا هو الموجود اليوم في الولايات المتحدة: "في هاواي، استفدت كثيراً واكتشفت أنني بفضل ركوب الأمواج، أستطيع أن أفعل الكثير، من بيع الألواح وإنشاء مدرسة لتعليم الرياضة بسعر رمزي إلى توفير الصيانة". أما عن سبب بقائه في الولايات المتحدة، فيخبرنا :"بعد أن أنهيت الدورة التي كانت مدتها شهراً واحداً، كان معبر رفح البري مقفلاً أي أن مصر لا تسمح لك بأن تدخل أراضيها. مرّ الوقت ووجدت نفسي ما زلت هنا وأقنعني ماثيو بألا أضيّع الوقت وأستفيد من أجل تعلّم اللغة الإنجليزية، وهذا ما أفعله".
يُحاول إبراهيم الاستفادة من وجوده في الولايات المتحدة ليُصقل مهاراته اللغوية، فيما يواصل أصدقاؤه ممارسة الرياضة في الظروف الصعبة التي لم تتغيّر. وتبقى المشكلة الأكبر التي شدّد عليها كل من إبراهيم ومحمد عدم توفّر الألواح الخاصة بهذه الرياضة مما يجعلها، حتى اليوم، محدودة الممارسة. فيكشف لنا إبراهيم: "لم أكن أعطي لوحي لأحد لأنه إذا تعطّل أو انكسر لن أستطيع إصلاحه وممارسة الرياضة. هذا ما يجعل عدد راكبي الأمواج محدوداً".
ويضيف محمد إلى هذه المشكلة قائلاً: "البحر مكان للتسلية حيث نشعر بنوع من الاستمتاع ونمارس هوايتنا إلا أن هذا المتنفس اختفى لأن البحر تحوّل إلى مكبّ لمياه الصرف. لا أستطيع أن أصطحب أولادي الذين يحبون هذه الرياضة أيضاً. هذا محزن جداً... في الدار الكهرباء مقطوعة والبحر مليء بمياه الصرف الصحي... ماذا نستطيع أن نفعل؟".
سؤال يُحاول ماثيو الإجابة عنه ويوضح لنا: "نادي ركوب الأمواج في غزة" لا يُعتبر نادياً رسمياً. حاولنا تسجيله محلياً مرات عدة على مدار السنوات إلا أن حكومة حماس تفرض أن نسمح لهم بتعيين شخص من قبلها لإدارته، ليكون لديها السلطة المطلقة على كل شيء. وهذا أمرٌ غير مقبول بالطبع". ويتابع: "لهذا السبب قررنا عدم تسجيل النادي ونواصل توفير ورش العمل والتدريبات كلما كنت في غزة ونستغلّ مشروع النادي من أجل تنظيم وإرسال الهبات وبناء دعم دولي لراكبي الأمواج. يبقى هدفنا الأول إيجاد طريقة من أجل تسجيل النادي رسمياً ليُصبح الرياضيون مستقلين ولنبني مقراً خاصاً بهم لتنظيم النشاطات والتدريبات…".
لا يفقد ماثيو الأمل بالحصول على تراخيص وبتطوير "نادي ركوب الأمواج في غزة" الذي لا شك أنّه سيُساهم ولو قليلاً بإدخال الفرح الى قلوب من يمارس هذه الرياضة حتى لو أن محمد لا يُشاركه هذا التفاؤل هو الذي يقول لنا : "كيف لفرد يفتقد أبسط مقومات الحياة أن يتعلم رياضة ركوب الأمواج؟"
تعلّم الرياضة أمرٌ صعب على الشباب لعدم توفّر الإمكانيات، وهو أيضاً صعب على الفتيات وإنما لأسباب مختلفة على رأسها العادات والتقاليد. ولا بد أن نشير إلى أن أربع فتيات فقط تعلّمن بفضل والدِهنّ هذه الرياضة وهنّ صغيرات إلا أن ممارستها أصبحت مستحيلة بعد سن المراهقة والزواج. وتخبرنا صباح، البالغة من العمر اليوم 18 عاماً والتي تزوجت وتنتظر مولوداً: "كنّا نذهب في الساعة السادسة صباحاً وحتى التاسعة بعيداً عن الأنظار لاسيما أن الناس صُدموا وما زالوا يصدمون لأنهم يعتبرون هذه الرياضة حكراً على  الشباب". على الرغم من ذلك تأمل صباح، أن تُعلّم أولادها يوماً ما هذه الرياضة التي تُشعرها "بالفرح والحرية والثقة". 
شعور ليس حكراً على صباح فحسب لا بل يطال كل الغزاويين الذين يمارسون هذه الرياضة والذين يشعرون أن الموجة التي ينتظرونها قد تمنحهم لحظة ثمينة من الشعور بالحرية المسلوبة.

التعليق