التاكسي الأصفر

تم نشره في الاثنين 31 تموز / يوليو 2017. 11:05 مـساءً - آخر تعديل في الخميس 3 آب / أغسطس 2017. 12:09 مـساءً
  • خالد الكيلاني

خالد الكيلاني 

يتداول الناس في عمان قصة أن مجموعة من سائقي التاكسي الأصفر اتصلوا بسائق أو كابتن خدمة “كريم” متخفين كزبائن عاديين، ولما حضر الكابتن الى الموقع المحدد، أوسعه سائقو التاكسي ضربا وأوسعوا سيارته الجديدة تحطيما وتهشيما. إن كانت القصة حقيقية فأنا استطيع تفهم إحباط هؤلاء السائقين، وذلك لانعدام العدالة في التنافس، وانسداد الأفق وجفاف الأمل في حل عادل سليم يحقق لهم الدخل المر القليل الذي بالكاد يكفي حياتهم، وذلك لعدم تبني هذه المشكلة من جهة قادرة موثوقة، مع أنني لا أتفق معهمطبعا في أخذهم تطبيق القانون بأيديهم وتدمير ثروة وطنية. هنا يكون دور مؤسسة النهضة في دراسة المشكلة وما شابهها بعمق وبهدوء، تماما كما يكون دور الأركان العامة في القوات المسلحة، بعيدا عن زخم التزام المؤسسات بالعمل التشغيلي اليومي في تقديم خدمات المواطنين، بل التركيز على التخطيط الهادئ العميق لأبعاد وإحتمالات المشكلة، وصولا إلى حل جذري بدلا من حل سطحي سريع لأعراض المرض لا يكون دواءً لأصله. وهنا تبرز الإدارة الاستراتيجية وهندسة  العمليات لتقدم  التحليل العلمي والحل الشافي لأصل المشكلة والمرض، وتكون نموذجا للتفكير في حل المشاكل الأخرى. يجب دراسة وتحليل وفهم خلفية المشكلة من النواحي النفسية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية، وكيف يكون الحل السريع للمشكلة، وكذلك الحل طويل المدى وتداعياته.

في مقاربة أخرى، تطورت آليات تزويد المواطنين بالكهرباء والماء من امتلاكهم وسائل التوليد والآبار، والنقل من الأنهار، الى تزويد مركزي يوفر الكلفة ويديم الخدمة ويطلق يد المواطنين للإهتمام بما يتقنونه وما يكسبون منه أقواتهم. كما ان تقليل الكلفة ترك في أيدي الناس نقودا أكثر لإنفاقها وتحريك الأسواق والاقتصاد. لم يعد كل بيت أو كل حي يمتلك مولدا يشغل حيزا ويتطلب صيانة وإدامة ليعمل المولد بضع ساعات في اليوم عند الحاجة، ليبقى استثمارا ميتا طيلة الإجازات وفترات عدم الاستعمال. تم نقل هذا النموذج الى قطاعات الاقتصاد المختلفة فأصبحنا نخزن معلومات الحاسوب المتضخمة دائما لدى شركات التخزين الكبرى لندفع بقدر استخدامنا من خدمة التخزين بالجيجا بايت، بالضبط كما ندفع ثمن ما نستهلك من كهرباء اوماء، وأصبح من الشائع كذلك تأجير البرمجيات الغالية وخدماتها للمستعملين ليدفعوا مقابل كمية استخدامهم لها. ووصل الفكر نفسه الى وسائط النقل لإعفاء المواطن من الحاجة إلى امتلاك سيارته والاكتفاء بخدمة متميزة متوفرة بكلفة أقل، توفر عليه عناء المواقف وجهد القيادة والمال الوفير وديون البنوك. هنا ظهرت فكرة شركات النقل كخدمة مثل شركة كريم أو أوبر وديدي وغيرها، حيث يدفع الشخص مقابل خدمة التوصيل وبقدر مسافتها. ولكن ألا يؤدي التاكسي الأصفر نفس الخدمة؟.

نحتاج هنا الى تحليل السبب وراء لجوء المواطن الى  إختيار"كريم" مقابل التاكسي الأصفر. وهنا تظهر أهمية التوجيه الملكي السامي وعمقه في حل مشاكلنا المختلفة، وإطلاق نهضتنا عبر اللجوء الى هندسة العمليات والإجراءات. 

قام موظفان سابقان في شركة ماكنزي الاستشارية الأمريكية وهما مدثر شيخة الباكستاني وفاجنس اولسون السويدي بتأسيس شركة "كريم" تماشيا مع الاتجاه العالمي الذي أوضحته أعلاه، وللعلم فإن شركة ماكنزي هي الأشهر عالميا في مجال وضع الاستراتيجيات للدول والشركات الكبرى. صممت شركة "كريم" استراتيجية عمل توفر عمليات متميزة لتقديم خدمة بسيارة نظيفة وبسائق أسموه كابتن تعزيزا لإحترامه، مع أخلاق عالية متفق عليها، إضافة الى نظام سيطرة على الجودة، محوسب بإستعمال الهاتف الذكي، يرضي الراكب  ويريحه كما ويقدم ميزات مهمة كتقديم خدمة التوصيل لطرف ثالث، كتوصيل الأبناء من وإلى مدارسهم أو الكبار المحتاجين للمساعدة وذلك على سبيل المثال.   وكانت آخر جولة تمويل حصلت عليها شركة "كريم" تقدر بعدة مئات من ملايين الدولارات لتوسيع أعمالها.  تكاتفت هذه المعرفة القائدة الرائدة المزودة بمئات ملايين الدولارات، والتي تعمل في اسواق متعددة ترفدها بالقوة والاستمرارية، مقابل سائق التاكسي الأصفر الذي يقضي نهاره مناضلا لجمع مبلغ الضمان اليومي لصاحب السيارة ، يفكر في مشاكل عائلته وحياته. هل هذا نزال عادل أم محسوم ابتداءً؟ ألا يستحق هذا القطاع دعمه بوضع استراتيجية منافسة وبهندسة عملياته وأتمتتها، أسوة ب "كريم"،  ليصبح التاكسي الأصفر وما يوظف ويعيل من أهلنا وشعبنا  قادرا على المنافسةوالبقاء بل والتوسع والإزدهار؟ هنا تتأكد الحاجة إلى وأهمية مؤسسة النهـضة لحل هذه المشكلة وغيرها والتركيز على تداعياتها بعيدة المدى كما سنوضح لاحقا.

على المدى البعيد، ونتكلم هنا عن احصائيات الولايات المتحدة لعام ٢٠٣٠، أي ثلاثة عشر عاما  من الآن، سيشهدها معظم من هم في الخمسين من عمرهم أو أصغر عمرا، وأتكلم هنا إحصائيا. تقول الإحصائيات ان المنظومات المشابهة لنظام "كريم" ستتطور إلى سيارة أتوماتيكية القيادة أي بدون سائق، وستصل نسبة الخدمة بهذه الوسيلة الى ٩٥٪ من مجموع ميل/راكب الكلي، وستصبح ساعات استعمال هذه السيارات يوميا عشرة اضعاف استعمال السيارات العادية، مما يقلل عدد السيارات المستخدمة من مايتان وسبعة واربعون مليون سيارة الى أربعة وأربعون مليون سيارة. وستتوفر المساحات الواسعة في الشوارع والمواقف العامة ليتم إعادة تأهيلها لاستخدامات أخرى، وسيوفر عدم الحاجة الى امتلاك سيارة ما معدله خمسة آلاف وستماية دولار للعائلة الواحدة مما يماثل زيادة عشرة بالماية في راتب الموظف، ويمثل زيادة في القوة الشرائية تعادل تريليون دولار، وستكاد الحوادث المرورية ان تختفي مما سيسبب انهيار قطاع التأمين على الحوادث، وسيختفي تدريجيا قطاع خدمة السيارات التي تعمل بالاحتراق الداخلي، وستصبح كلفة امتلاك سيارة من أربعة الى عشرة أضعاف إستعمال النقل كخدمة. كما يتوقع ان تقل كلفة النقل وأن تقترب من الصفر نتيجة انخفاض كلفة الكهرباء الى قريب من الصفر، وزيادة عمر استعمال السيارة الكهربائية ليصل الى مليون ميل. وسيكون دخل الشركات العملاقة التي ستسيطر على هذا القطاع مبنيا على الإعلانات والألعاب والخدمات الأخرى التي تقدم للراكب أسوة بالخدمات المجانية التي تقدم للمستخدمين مثل الواتساب والفيسبوك. والسؤال هنا من هي المؤسسة الاردنية المتخصصة والمتفرغة لدراسة تداعيات هذه الاتجاهات الجذرية، من حل مشكلة ازدحام السير في عمان وغيرها وزيادة المبالغ المتوفرة للعائلات من جهة، وكذلك العمل على تخطيط مواجهة مشاكل المستقبل ووضع الحلول لبطالة السائقين والميكانيكيين وموظفي شركات التأمين ومعالجة كل هذه المشاكل بأسلوب علمي بحثي وقبل وقوع الفاس بالراس كما يذهب المثل الشعبي؟ وأخيرا من يقوم بحفظ أفضل الممارسات التي نجحت في مؤسسات رائدة في الأردن مثل أرامكس وأدوية الحكمة أو مئات التجارب العالمية في مختلف القطاعات وأهمها التعليم، وتعميمها وضمان تدريسها في الجامعات وخلال الجمعيات المهنية المختلفة؟. 

ان امتلاكنا ناصية علم الإدارة الاستراتيجية وهندسة العمليات وإتقان التطبيق العملي لهما والذي بدأنا الحديث عنه منذ ربع قرن وما زلنا، هو خلاصنا، وسينقذ قطاع التاكسي الأصفر والنقل وغيره من القطاعات من السيطرة الأجنبية، حيث تقتطع "كريم" ضريبة على خدمة لم تستثمر فيها ، فهي لا تمتلك السيارة الخاصة ولم تدرب الكابتن على القيادة ولاغيره، إنما قدمت عملية مهندسة محسنة تم أتمتتها، ووضعت إجراءات عمل ومقاييس أداء، ونقوم نحن بتنزيل الخدمة على هاتف دفعنا نحن ثمنه، ونحن من يدخل معلومات طلب الخدمة، وندفع ثمن الخدمة من بطاقة اعتمادنا ومن حسابنا البنكي. ألا نرى أيضا أننا سنخسر لنفس السبب أضخم قطاعاتنا وهو القطاع التجاري لصالح التجارة الإلكترونية وبنفس الأسلوب؟ ألم نخسر في قطاعنا الفندقي سابقا ما يقارب السبعة بالماية من دخل الفنادق الكبرى لشركات دولية مثل شيراتون أو غيرها تقدم لنا فقط إسمها وعمليات إدارة فندق دفعنا نحن كل تكاليفه؟ ألم نخسر قطاع الدفع الإلكتروني لشركة فيزا وغيرها بنفس الطريقة.؟ إننا إذا لم نبن مؤسسة النهضة بجدية لتقوم حصرا بتنفيذ التوجيه الملكي السامي، سنخسر بسرعة قطاعاتنا الإقتصادية الواحد تلو الآخر، لتعج البلد بالعاطلين والفقراء وما يعنيه ذلك من مشاكل إنسانية وأمنية وإقتصادية وتبعية أبدية لحكم الشركات الدولية التي لم ننجح في بناء مرادف محلي لها حتى اليوم. 

التعليق