ذهب الإنترنت وسرابه

تم نشره في الجمعة 4 آب / أغسطس 2017. 11:04 مـساءً

ما يزال الانترنت يبهرنا كل يوم بجديد ويطرح تغييرات جذرية تمس كافة مناحي حياتنا وتنطوي على تحديات عميقة وفرص براقة وآمال عريضة، ومثالنا اليوم هو النقد الرقمي أو العملة الإلكترونية أو الـ"بت كوينز" ومنافسوها الذين تكاثروا الى أن وصلوا الى المئات من أنواع العملة الإلكترونية الكاملة والتي يتم تداولها عبر الإنترنت فقط، من دون وجود فيزيائي لها أو سلطة تضبطها وتحدد سعرها، فالتعامل بها يتم بمعزل عن البنوك المركزية والنظام المصرفي.
رغم أن التجارة وتبادل السلع والخدمات وسلسلة التزويد كانت من أوائل المجالات التي اقتحمها الإنترنت وأعاد صياغتها وشكل اقتصادها، ورفع بها أقواما وهوى بآخرين، فان المحاولات في مجال النقد والعملة لم تحقق نجاحا ملموسا حتى ظهور الـ"بت كوينز".
تعدود بدايات الـ "بت كوينز" الى ثماني سنوات خلت، ثم توسع بعدها من حيث القبول وقاعدة المتعاملين وكمية العملة الإلكترونية المكتشفة –يتم البحث عنها كما يتم البحث عن المعادن الثمينة ولكن من خلال أجهزة وبرامج الحاسوب-، أما قيمتها فقد فاقت الذهب الأصفر الذي حاولت الفكرة الاساسية التي تأسست عليها العملة الافتراضية أن تحاكيه او تنافسه بطريقة الإنترنت، حيث حاكت العملة الافتراضية المعدن الأصفر والمعادن الثمينة في محدودية العرض العالمي، والحفاظ على القيمة في مواجهة هشاشة السوق، إلى أن فاقت قيمة الوحدة الواحدة من العملة الالكترونية القيمة السوقية لأونصة الذهب مع بداية العام الحالي.
لقد أربكت العملة الرقمية البنوك المركزية التي وجدت نفسها وقد أخذت على حين غرة وان هذا القادم قد يزعزع سيطرتها على النظام المصرفي خاصة وهي ترى ان آلاف المتاجر قد قبلت التعامل بهذه العملة ومن أمثلتها "وورد برس" و "اوفرستوك دوت كوم" و مايكروسوفت و"ريديت" وشركة السيارات "لامبورغيني" وغيرها حتى وصلت الى محلات البيتزا. بعض هذه البنوك سارعت الى اغلاق الباب في وجه هذا القادم الجديد وحذرت من التعامل بهذه العملة، مثل مؤسسة النقد العربي السعودي، والبنك المركزي الاردني والبنك المركزي المصري. غير أن دولا كثيرة ابقت الباب مواربا فلم تقر ولم تمنع التداول بها مثل الولايات المتحدة وروسيا واليابان واستراليا وغيرها.
الجهات التي منعت هذه العملة تعللت بـ "أن الاستثمار بالعملات الافتراضية تكتنفه مخاطر عالية تتمثل في تذبذب قيمها بشكل كبير، إضافة الى مخاطر الجرائم المالية، والقرصنة الإلكترونية، وخسارة قيمتها كاملة لعدم وجود أي جهة ضامنة لها أو أصل مقابل لها"، غير معترفة بأن العملة النادرة نفسها هي مخزن للقيمة وفق تصميم من أنشأها، ولكن هذا لم يمنع توسع انتشار هذه العملة في الدول العربية،  أما عالميا فتتحدث الأرقام بأن المتعاملين مع هذه العملة ربما ناهزوا الخمسة ملايين مستخدم.
من أحب هذه العملات أو اقتنع بها له أسبابه الوجيهة أيضا منها تجاوز الوسطاء مثل البنوك، والتعامل المباشر بين البائع والمشتري، وتوفير الخصوصية للبائع والمشتري من خلال امكانيات التشفير التي توفرها البيئة الرقمية، واستخدامها  كوسيلة للتحوط ضد انخفاض قيمة العملة المحلية السريع والتضخم النقدي كما حصل في فنزويلا واليونان حيث أصبح من الشائع استخدام "البت كوين" كاحتياطي طبيعي في مواجهة العملات الورقية المتهاوية، والكثير استخدمها أداة استثمار ومضاربة، ومن المؤكد أن المغامرين والمقامرين والقراصنة أيضا وجدوا فيها ملجأ آمناً ووسيلة للبحث عن الكسب الكبير ونجح بعضهم في ذلك.
الرهان على مستقبل العملة الافتراضية بشكل عام يعكس تقديرات متباينة بشدة حول مستقبل هذه الظاهرة، فهناك من يراهن برأيه وماله على أن هذه الظاهرة ستغير أساسيات الاقتصاد العالمي، وآخرون يرون فيها فقاعة مجربة، وأن العالم لن يقبلها لأسباب منها استخدامها المتزايد في القرصنة والتجارة المحظورة وتمويل الارهاب، وبين المنزلتين من يتنبأ بأن العملة الافتراضية ستستحوذ على حيز من النشاط الاقتصادي وانه سيتم تنظيمها  والاعتراف بها كمنتج مالي في المعاملات المالية والمصرفية، وبالتالي ستخضع على نحو ما لقيود محلية وعالمية.
الطريف في صعود ظاهرة البت كوينز أنه حتى معارضي الفكرة من المصرفيين يقدرون التقنية التي بنيت عليها هذه الفكرة الثورية والمعروفة بال"Blockchain"، وقد بدأوا بتطبيقها خارج نطاق العملة الافتراضية، هذه التقنية شأنها شأن العملة الافتراضية غير مسجلة كبراءة اختراع أو حقوق ملكية لأي جهة مما يساعد على انتشارها وتطويرها.
ويظل الإنترنت يفاجئنا كل يوم بما يظهره وما يخفيه من إمكانيات تخرج الينا لتغير مفاهيم وممارسات كنا نحسبها ثابتة، فمنها ما يذهب جفاء ومنها ما يمكث في الأرض، فأي مصير ينتظر النقد الرقمي؟

التعليق