سائد كراجة

الريعية السياسية

تم نشره في الثلاثاء 15 آب / أغسطس 2017. 11:03 مـساءً

الريعية الاقتصادية هي أن تبيع الدولة موجوداتها وثرواتها الطبيعية، لتصرف على مواطنيها. وموجودات الدولة المستخدمة في الريع قد تكون طبيعية مثل النفط، وقد تكون اقتصادية كالمساعدات الأجنبية  كما هو الحال في الأردن.
قريباً من هذا المعنى، تكرَّس في الوطن العربي عامة ما يمكن تسميته بـ"الريعية السياسية" وهي: التكسب "بالمعارضة"، أي بيع مواقف سياسية معارِضة مقابل الحصول على مركز أو منصب في الدولة، حيث يمارس الشخص معارضته  للدولة أو  للنظام حتى ينال حصته من "الكعكة"، اي من المناصب في الدولة أو في القطاع  العام، فيعود بعدها عن معارضته وينضم لهيكل الدولة والحكومة.
الريعية السياسية  في الاردن أمرٌ شائع،  وهو أمرٌ شجعته الدولة ومارستهُ تحت عناوين مختلفة منها "الحنكة السياسية" او "الخبث السياسي" حيث ضربت، وتضرب الدولة الأمثال أمام الشعب، عندما تستدعي معارضاً سياسياً ليكون مسؤولاً أو وزيراً، أو عندما تقدم منافع وظيفية لعائلة المعارض او أسرته، والرسالة دائماً واضحة: لا تثقوا بالمُعارضة في البلد، فإنها وراء المنافع والمناصب فقط.
وتماماً مثلما خرّب الريعُ اقتصاد الأردن، حيث ضرب الزراعة والسياحة والتجارة والصناعة، كذلك خرب الريع السياسي الحياة السياسية الاردنية. ومن مظاهر هذا الخراب شيوع مفهوم الكعكة على حساب تأجيل الفعل السياسي الديمقراطي الحقيقي.
من زاوية ثانية فإن المعارضة "المبدئية" نادرة، وهي إما قابعة في أحزاب غير فاعلة على الارض وغير ديمقراطية، انتهت لتكون "فترينة" لشخصية سياسية، أو إنها معارضة نرجسية تعارض بالكلام وتمارس معارضتها وخطابها على الفضائيات وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، فترى الشخص ينتقد كل شيء وكل أحد.
وهذه المعارضة وإن كانت تمثل في أغلبها نماذج حية على سياسة أردنية تاريخية في التعامل السمح مع المعارضة، فإنها ايضا حجة على نفسها حيث إنها تنادي بالمؤسسية واحترام الدستور وتعض بالنواجذ على نظام الحكم، الا انها لم تستطع للعمل السياسي المؤسسي سبيلا، فهي للآن لم تقدر على  ان تجمع حولها مئة شخصٍ في حزبٍ فاعل أردني قادر على إحداث تأثير عبر البرلمان وخلق حكومات برلمانية، وظلت تلك المعارضة صوتية فقط، وفشلت في تحويل نقدها ذي الصوت العالي من كونه في أحسن تجلياته فشة خلق للمواطن الى  برنامج اصلاحي مؤسسي يعمل على تحسين معيشة المواطن بشكل فعلي وحقيقي ملموس.
نعم، معروف أن قانون الصوت الواحد وما كان قبله من تعطيل الحياة البرلمانية وكذلك عدم اقتناع بعض المؤسسات الرسمية بعد بالحياة السياسية كما ينص عليها الدستور، معروف ان كل هذه عوامل عطلت الفعل السياسي الناجع  في الأردن. على مؤسسات الدولة ان تعي ان حماية المعارضة والحياة السياسية عامة هو اهم عنصر من عناصر حماية الدولة، ولكن من قال إن قادة الإصلاح السياسي عملوا في ظروف وردية، الرسول العظيم بدأ دعوته بين كفار مكة، وغاندي تحت وطأة قوانين الاحتلال، ولوثر كنغ كان يناضل في خِضم قوانين التمييز العنصري.
الأردن بحاجة لمعارضة لا تعارض لأجل المعارضة، بل تعمل للوصول إلى الحكومة عبر برنامج وطني يفكر أردنيا ومن ثم عربيا ثم عالميا، معارضة تتذوق صعوبة وضع برنامج  اقتصادي اجتماعي سياسي وطني إنقاذي، وهنا تكون المعارضة والموالاة فعلا سياسيا وطنيا، حيث يكونُ النِضالُ مع وبين الأردنيين وليس مجرد كلام مرسل في الميادين، فاهم علي جنابك؟

التعليق