موفق ملكاوي

الثقافة والعوام و"المتفذلكون"!

تم نشره في الاثنين 21 آب / أغسطس 2017. 12:04 صباحاً

ما تزال صورة المثقف، حتى اليوم، مشوهة في أذهان العوام، وهي صورة تأخذ أبعادها من كلاسيكيات الأعمال التمثيلية الهابطة التي صورت المثقف والمبدع "خارجيا"، لا ينتمي إلى مجتمعه، وغير منخرط في الهم الجمعي.
في المقابل، يبدو أن بعض المثقفين صدّقوا هذه الصورة التي حاولت إلصاق هوية غير حقيقية بهم وبمشروعهم الذي يتوجب أن يكون أساسيا في المجتمع، لذلك انسحبوا من الحياة العامة، وعاشوا في معتزلات ظنوها محرابا لممارسة مهنتهم "المقدسة"، بعيدا عن أي علاقة يمكن أن تؤسس لانخراط عملي واقعي في الشأن العام.
وثمة مزيفون، يرون أن مهنة المثقف وشخصيته تتحددان بالمفردات والمصطلحات القادر على جمعها في جمل؛ سوية وغير سوية، ليدخل فيها حوارات استعراضية، يظن أنها تمنحه الصورة المطلوبة، من غير أن يكون على وعي بحدود المصطلحات والمفردات التي يتحدث بها.
أولئك المتفذلكون يحاولون إضفاء صورة غير حقيقية على شخصياتهم ومعارفهم، والتي غالبا ما تكون هشّة لا عمق لها، وتنفضح مهازلهم المسرحية وعبثيتهم بالنظر إلى مواقفهم من قضايا التقدم والمدنية والحداثة، وهي القضايا الأساسية التي تشتغل عليها الثقافة، وليس على النص مهما بلغت براعته وجدّته.
لا يهم أن تحفظ أسماء أو "كلاشيهات" جاهزة لأن تقذفها في وجوه محدثيك لكي تحاول الانتماء إلى طبقة المثقفين، فمهنة الحفظ كانت دائما في طبقة أدنى من مهنة هضم المعارف وتفكيكها وهدم القائم في محاولة لإعادة بنائه ضمن منظور ثقافي متكامل يأخذ الأمور بصيغة معرفية تقدمية من منطلقات الحداثة، وهو، أيضا، مفهوم لا يتجزأ، ولا ينظر إليه بحسب "ظرفيات" مؤقتة، بل بسياق كامل ينطلق من خصوصية البيئة، لمحاولة بناء مفاهيم جديدة قادرة على نقل المجتمعات من الجمود والتبلّد والعيش في الماضي، نحو أفق الحداثة بجميع ما فيها من "تقدميات" مفاهيمية وسلوكية وعلاقاتية ومعرفية.
المجتمعات التي ما تزال تأخذ معارفها من الدراما الهابطة، والمأثورات الشعبية، والعيش في ماضٍ سكوني لا تستطيع تحريكه خطوة إلى الأمام، هي، بلا شك، مجتمعات متخلفة، وعلامات تخلفها تتحدد بأنها لا تمتلك الأدوات الضرورية لنقد الواقع بسبب حالة الاستلاب الماضوية التي تعيشها، لذلك يلتبس الأمر عليها، فتظن أنها تعيش الحاضر وتتجه نحو المستقبل بثقة، بينما هي تمارس تعمية خطرة على نفسها، وتهميشا لقدرات أفرادها الذين يمكن لهم أن يلعبوا أدوارا محورية في تغيير الحالة من السكونية إلى جدل الكينونة والهوية، ما يؤدي بالتالي إلى أن تظل قابعة في مكانها في أسفل السلم الحضاري الأممي.
لكن سلوكيات تجذير صورة المثقف على هذه الشاكلة، والإعلاء من شأن "التفذلك"، والرضا بالواقع، وحتى الانهزامية التي يعبّر عنها المثقف الحقيقي اليوم، لم تأتِ من فراغ، بل تم الاشتغال عليها من قبل "منظومات" التخلف التي حكمت المجتمعات على مدار قرون، وذلك من أجل القضاء على فرص التغيير والتقدم، ما أسس لمفاهيم الاستلاب، وإلى الاطمئنان إلى العيش ضمن مفهوم عقلية القطيع، خصوصا حين نعجز عن تمثل متطلبات التفكير المنطقي والنقدي، ونجد أنه من الأسهل تبني مقولة "الموت مع الجماعة رحمة".

التعليق