سائد كراجة

لماذا فاز علي أبو السكر؟

تم نشره في الثلاثاء 22 آب / أغسطس 2017. 11:03 مـساءً

عندما ولِدتُ، لم تكن أمي مواطنة كاملة، فقد أعطيت المرأة الأردنية حق الترشح للانتخابات العام  1974، وأذكر أنها حملتنا صغاراً من نصف المملكة الذي احتل العام 1967-وقد كنا نزوره عندما وقعت الحرب - إلى نصفها الآخر حيث كان أبي يعمل ويعيش في عمان منذ الخمسينيات.الاحتلال الصهيوني لنصف الأردن عطل البرلمان الأردني حكماً، كما توقفت الحياة الحزبية والسياسية. والدي البعثي الناصري - كمعظم أبناء جيله - كان يردد: الوحدة بين الضفتين لم تبدأ مع معاهدة 1950، فقد كانت موجودة فعلاً منذ أنشئت أريحا والبتراء.
حين دخلت الجامعة في النصف الثاني من السبعينيات، كانت الحزبية أشد من الكفر، والقبضة الأمنية حازمة، خصوصا أن المملكة خرجت للتو من معركة مصيرية كانت تستهدف النظام والبلد والدستور، الحراك السياسي في أغلبه لم يكن "أردنياً"، حيث كان"لا صوت يعلو على صوت المعركة"، وتحولت قضية التحرير التي حملها العالم العربي شعوباً وأنظمة ذريعةً لتأجيل الديمقراطية وتأجيل ممارسة الحياة السياسية الحقة.
الجامعة كانت ساحة إخوانية، تنظيماً وتدريباً ونشاطاً، وكان فوز الإخوان بمجالس الطلبة مقبولا أمنياً باعتباره أهون الشرين، بالمقارنة مع فوز الأحزاب الشيوعية واليسارية والتنظيمات الفلسطينية، وفي الوقت الذي فصَلت فيه الجامعة مدرسين يساريين وقوميين أو حتى فقط تنويريين، كان في الجامعة أقطاب أخوانيون يصنفهم الإخوان أنفسهم على أنهم من المتشددين، وكان قد تم تسليم وزارة التربية للإخوان في صفقة تاريخية معروفة. ورغم كثرة المطبات في العلاقة بين الدولة والإخوان فالغريب أن الدولة لم تفكر يوماً باستعادة الوزارة منهم كما فعل أردوغان مع جماعة غولِن موخراً مثلاً.
بعودة الديمقراطية، صارت الدولة أمام استحقاق واقعي أساسه مراجعة كل سياساتها السابقة، ولكن تبين أن الميدان ترك طويلاً لحميدان، ووجدت الدولة نفسها أمام جماعة هي "دولة ظل" داخل الدولة، تغلغلت في التعليم واقتصاد البلد على مستوى قواعد شعبية لم تعد تصلها الدولة، وطبعاً ليس للأحزاب الأخرى لها سبيل، وجاء اختراع قانون الصوت الواحد المجزوء وجاء من الديمقراطية الكاملة، وجاءت البرلمانات عموماً منزوعة الفعالية وصار تفوق الإخوان في الساحة السياسية أمراً واقعاً يدعمه ثقلهم الاقتصادي والشعبي القائم على الأعطيات والهبات وقدرتهم على جمع المال من المجتمع دون حسيب ولا رقيب.
 عادت الديمقراطية لكن العقل الديمقراطي للدولة لم يعد، ففي حين تتبنى الدولة متطلبات العملية الديمقراطية من انتخابات ومحكمة دستورية وهيئة مستقلة للانتخابات، إلا أنها لم تفعل شيئاً للتعويض عن ممارساتها السابقة في شيطنة الأحزاب السياسية ومنع التنوع في التنمية السياسية للمواطنين ومنع بناء إنسان مواطن حر قادر على اختيار فكره من ساحة فكرية سياسية متنوعة.
عودة الديمقراطية الجديدة مر عليها أكثر من ربع قرن، وهي تتطلب فرضا كاملا لشروط نجاحها؛ وأهم شرط هو تأسيس الحياة السياسية على أساس المواطنة، وعندما تكون نسبة مشاركة العاصمة 17 % في الانتخابات اللامركزية، فإن هذا ليس إخفاقاً للهيئة المستقلة للانتخابات بل هو مناسبة لمراجعة الحالة السياسية برمتها وإعادة موضعة الحياة السياسية في الأردن على أسس المساواة بين المواطنين وتكافؤ الفرص، حيث الدين للإنسان وليس للدولة ولا للأحزاب السياسية.
 لمنع اللَبس نقول: ليس المطلوب منع الإخوان من العمل وإنما تأمين شروط موضوعية متكافئة للجميع، وتفعيل دور الأحزاب السياسية واستبدال العقل العرفي للدولة العميقة بعقلية ديمقراطية. وأيضاً من باب نقد الذات نقول: مطلوب من الأحزاب مراجعة سياساتها وأدواتها وتبني برامج وطنية تخدم المواطن الأردني مباشرة، وقبل كل شيء وبعده مطلوب منها تطبيق الديمُقراطية داخل الأحزاب ذاتها. من باب قبول نتائج الصندوق نقول: مبروك لعلي أبو السكر. "دِزيرفد لَك" لحزب الكنباي.

التعليق