ضرورة سد الفجوات

تم نشره في الثلاثاء 22 آب / أغسطس 2017. 11:00 مـساءً - آخر تعديل في الجمعة 2 شباط / فبراير 2018. 05:06 مـساءً

وفاء عوني الخضراء

نتائج التوجيهي مؤشر ليس على التحصيل الأكاديمي للطلبة فحسب، بل على الواقع التربوي الراهن كذلك.
كما هو معروف، يمر قطاع التعليم منذ مدة بمرحلة مفارقات في مخرجاته وفجوات في التحصيل. وقد يعزو بعض خبراء التعليم ذلك إلى ما يسمى "الديْن التربوي" Educational Debt الذي يجعل من ذوي الشأن في الدولة وقطاع التعليم مدينين تاريخياً واقتصادياً وسياسياً واجتماعياً إلى الأفراد والجماعات الأقل حظا، بسبب فقر التخطيط الاستراتيجي الذي يحقق العدالة والمساواة في توزيع الموارد والخدمات والفرص، ما يؤدي إلى تفاوتات صارخة في التحصيل والأداء. وقد يكون أيضا غياب المسؤولية الجمعية الاجتماعية تجاه التعليم والمتمثل بعدم تلبية حاجاته ومتطلباته من التحديات الأخرى المسؤولة عن تردي الوضع.
المراكز الأولى في مجملها، وبالذات في التخصصات العلمية، حُصدت من قبل الفتيات ومن قبل المدارس الخاصة ومن قبل العاصمة والمدن الكبيرة.
إلى ماذا تشير هذه النتائج؟
أولا: هناك فجوة واضحة ما بين الإناث والذكور في التحصيل الأكاديمي. وهذا أمر معروف منذ سنوات. لكن السؤال المهم إثارته هنا هو: لماذا؟
يرجع البعض هذه الفجوة إلى أن  الذكاء الأكاديمي الذي يقاس عن طريق الامتحانات التحصيلية أعلى عند الإناث منه عند الذكور، وأن سلوكيات وعادات الدراسة (من مثابرة والتزام دراسي وغير ذلك) أعلى عند الفتيات منها عند الذكور. وقد يرى البعض الآخر أن الأسباب مادية مرتبطة بالموارد بشكل خاص، ما يجعل مدارس الإناث أكثر ملاءمة وجاهزية واستعداداً للتعلم والتعليم. وهناك توجه آخر يرى أن الأسباب مرتبطة بأنماط وقوالب أدائية لكل من الفتيات والذكور تعزز عند الفتيات أهمية إثبات الذات والوجود الإرادي من خلال المثابرة والتحصيل الأكاديمي وعند الذكور مبررات إثبات الذات والوجود الإرادي خارج هذا الإطار.
لا بد من وجود دراسة معمقة لهذه الظاهرة تتطرق إلى تشخيص الحالة الذكورية-الأنثوية في بناها وسياقاتها الثقافية.
على سبيل المثال، هل هذه مؤشرات تدلل على أن السياق التعليمي الحالي تم فيه "تأنيث" التعلم والتميز الأكاديمي والمدارس، من ناحية،  و"تذكير" التمرد على التعليم والتسرب منه؟ أم هل هناك تأنيث لمهنة التعليم ذاتها، وتأنيث للبيئة المدرسية، لكونهما تستقطبان الأعداد الكافية من المعلمات الجادات المبدعات؟ أم هل الأمر مرتبط بتفرغ المعلمات التام للمهنة، بعكس عدد لا بأس به من المعلمين الذين يعملون في مهن أخرى خلال عملهم في التعليم، فيؤثر ذلك على أدائهم سلبياً؟ أم أن هناك تذكيرا للوظائف عالية الأجر يهاجر إليها الأكفاء من المعلمين الذكور فيسعى إلى مهنة التعليم ويقبع فيها الذكور الأقل كفاءة؟
هذه كلها أسئلة بحاجة إلى دراسات معمقة، لا مجرد آراء وافتراضات.        
من ناحية، إنجازات الإناث - طالبات ومعلمات - أمر يدعو للغبطة والفخر؛ لكن من ناحية أخرى، فإن هذه النتائج بحاجة إلى مراجعة للوقوف على أسباب تسرب الفتيان من المدارس وتراجع تحصيلهم الأكاديمي. ما يحتاجه طلابنا إناثا وذكورا هو أن نوفر لهم بيئة آمنة للتعلم والتعليم لتمكين كل من الفتيات والفتيان من الوصول إلى أعلى درجات التحصيل العلمي وممارسة الوجود الإرادي بفاعلية. وإنّ أي خلل في أي طرف من المعادلة الجندرية يجب أن يؤخذ على محمل الجد.
الفجوة الثانية هي فجوة تكاد تكون نمطا سائداً بالنسبة لأغلبية مدارس القطاعين الحكومي والخاص، فمعظم المراكز الأولى في المسار العلمي حُصدت من قبل المدارس الخاصة. هذه الفجوة في تزايد مستمر وتعد مؤشراً على مخرجات تعليمية ذات فروقات في القدرات والمهارات وسلوكيات التعلم في كلا القطاعين، والسبب الأساس يعود إلى أن الإمكانات المتاحة في المدارس الخاصة وظروف التعلم فيها تتفوق في المجمل على تلك المتوافرة في المدارس الحكومية. وتقلب هذه الفجوة في البيئة والمخرج موازين العدالة المجتمعية وتحتم إفراز فروقات وتباينات غير صحية، قد يكون لها عواقب أكثر سلبية مما نظن. فهي تتنافى مع عدالة الفرص، وتساهم في تنامي ظواهر التحيز والتمييز والطبقية والإقصاء والتشرذم.
ليس ذنب الفقير أن يولد فقيراً ثم يقع فريسة فقر البيئة وفقر مقومات التميز والنجاح. وليس ذنب الطالب الذي لا خيار له سوى المدارس الحكومية أن يقع ضحية مشاكل القطاع المستفحلة، بسبب شح الموارد وتدني الكفاءات وتعثر الخدمات، فيخرج من المدرسة غير متمكن معرفياً ومهاراتياً وقيمياً ووجدانياً.
أما الفجوة الثالثة فهي الفجوة الجغرافية التي تتجلى في حصول العاصمة أو المدن الكبيرة على معظم المراتب الأولى. وهذا غير مستغرب، فهي ظاهرة موجودة في دول عديدة في العالم. بيد أن حجم الفروقات الموجودة عندنا ومساهمتها في تجذير انعدام المساواة في فرص التعليم هي ظاهرة لا بد من التوقف عندها. الفجوة الكبيرة في توزيع الخدمات والموارد في البيئة التعليمية ما بين المركز والأطراف تجعل من كوتات القبول الجامعي والخدمات الريعية في بيئة لا تمكين فيها حلاً مشوها. قد يكون أحد مكامن الخلل فشل الحكومات المتعاقبة في التخطيط للموارد والخدمات وفي توزيعها الجغرافي. ومن هنا فإن أحد الحلول قد يكون في حسن التخطيط والتوزيع، وفي لامركزيتهما.
ومن الضروري التأكيد على تعاظم التناقض والتباين في المؤشرات مؤخراً أكثر من حالات التكافؤ. فتوفير البيئة الآمنة والمتكافئة والمهيئة للتعامل مع احتياجات الأفراد لتمكينهم من المشاركة الفاعلة والإنتاجية العالية ضرورة ملحة. كما أن تمكين المتعثرين أكاديمياً مسؤولية إنسانية وأخلاقية.
ومن نافلة القول أن نسبة التحاق الفتيات وتميزهن في قطاعي التعليم العام والعالي، وهي نسبة لافتة، لا بد من أن تنعكس على انخراطهن في المشاركة السياسية والاقتصادية، ما يزيد من فاعلية انخراط النساء في المجتمع. 
وبعد، فإن عدم التوقف عند هذه التحديات ومواجهتها بحلول وإجراءات مبنية على الدراسة المعمقة والتحليل المتأني، سيفاقم الأمر ويوسع الفجوات ويزيد من حجم المفارقات والتناقضات. فإذا كنا نتحدث اليوم عن ثلاث فجوات رئيسة، قد يأتي يوم غير بعيد نتحدث فيه عن أربع أو خمس أو ست فجوات، وهذا ما لا نريد.
لدينا مشاكل وتحديات موصوفة ومعلومة جيداً؛ بيد أننا بحاجة إلى حلول مدروسة دراسة وافية للتعامل معها. والفرصة ما تزال متاحة لفعل ذلك.

التعليق