أبو الخمسين؟!

تم نشره في الثلاثاء 29 آب / أغسطس 2017. 11:05 مـساءً

ما يزال هناك من لديهم قدرة مالية على رش (خمسينات) في العيد، وهؤلاء لدى الأرحام أهم من رئيس وزراء!
إن كنت من جماعة الخمسينات فأنت الوحيد الذي يحظى باستقبال رسمي مهيب واستعراض لحرس الشرف، حيث تقف كامل العائلة باستقبالك على مدخل المنزل وممنوع الغياب حتى ولو بعذر مرضي، بينما الجيران يقفون على النوافذ ليراقبوا المشهد وقلوبهم تبتهل بالدعاء أن يرزقهم مثل هذا الضيف الكبير.
بعد أن تنتهي مراسم الاستقبال يتم مرافقتك إلى قاعة كبار الزوار، وعندما يقوم أبو الخمسين خجلا بخلع حذائه حفاظا على نظافة السجاد تحدث بلبلة لثنيه عن فعل ذلك، وسرعان ما يتدخل رب الأسرة لينهي هذا الجدل بيمين طلاق على أن يدخل كما جاء!
ما أن يجلس الضيف الكبير حتى تتم مداهمته بالركايات من كل الاتجاهات حتى يجلس مثل الإمبراطور، ومن ثم يتم رفع طاقة المروحة التشغيلية إلى أربع (طقات) وتثبيتها باتجاه الضيف، وبعد ذلك يتم إحضار زجاجة مياه معدنية باردة تم شراؤها ليلة العيد خصيصا لهذا الضيف كون فلتر المياه في بعض الأحيان لا ينقي كل الشوائب، تبدأ بعدها عبارات الترحيب بالضيف الكبير التي تؤكد على عمق العلاقات الثنائية والمكانة الخاصة له في قلوب الجميع وأنهم بدون مجاملة الآن شعروا بطعم العيد.
بعد ذلك يتم تقديم "منيو" الضيافة ويشمل المشروبات الباردة والساخنة والفواكه والمطبشات وحتى معمول العيد، يتم فقط تقديم المعمول بالفستق الحلبي بينما باقي الأنواع فلا تقدم له، يفتح الجزدان، ويبدأ الرش، والأب يحاول في هذه اللحظة التاريخية أن لا يرمش حتى يرصد المبلغ كاملا، وأن لا يدع الفرصة لضعاف النفوس إنكار قيمة العيدية. يغادر الضيف بمثلما استقبل من حفاوة وترحيب والدعاء بأن يكون هناك عيد كل نهاية شهر.
على الرغم من أن العالم كله تغير وحتى كوكب زحل تحرك من مكانه، إلا أن البعض ما يزال يربط العيدية بمؤشرات النمو الحكومية، لذلك هو ثابت على العشر ليرات من زمن حكومة الكباريتي!
هذا بالذات قد يكسر الباب حتى يشعر أهل المنزل بوجوده، وعادة ما يكون على رأس المستقبلين له طفل خرج بسرعة من دورة المياه ونسي أن يلبس ملابسه، يدخل بعد أن يتم تنبيهه أن السجاد مغسول وعليه أن يخلع حذائه، بينما كاسة الماء التي يتم إحضارها فيمكن مشاهدة الطحالب داخلها بالعين المجردة، والمروحة تقف ساعة حداد بحجة أن الجو براد، بعد دقائق يتم المناداة على إحدى الصبايا لسؤالها: ظل شاي في البريق؟! فمعدل النمو الحكومي لا يسمح حتى بصنع أبريق جديد، تمهيدا للعشر ليرات يبدأ المسكين بسرد كل رفعات الحكومة طوال العام، ومن ثم يتحدث عن العجز والمديونية وأن القادم صعب، كل هذه المبررات التي قد تبكي البنك الدولي لا تلقى أي اهتمام من الجالسين، يحاول أن يجد مبررا لتشغيل المروحة كون الجو أصبح لا يطاق باستذكار مقولة للرئيس: أن الاقتصاد سيستحسن بعد تسعة أشهر، لعل وعسى أن يستبشروا خيرا أن هذا العيد قد يكون آخر ظهور للعشر ليرات ويشغلون المروحة، إلا أن انعدام الثقة بسياسات الحكومة جعلهم يسارعون بتضييفه برازق، قال لهم: أخبار سارة من الحكومة في محاولة أخيرة لتشغيل المروحة، نظروا إلى بعضهم البعض في إشارة فهمت أن العيد القادم لن يسخنوا له حتى الشاي!

التعليق