إذا كانت هذه "خيانة" فنحن "خَوَن"

تم نشره في الجمعة 8 أيلول / سبتمبر 2017. 11:04 مـساءً


بعد 70 عاما على النكبة، على جريمة التهجير والتشريد، على مآسي ثمن البقاء في الوطن، ما يزال من "العرب" من يحمل ذات الأفكار، التي تَصِم 153 ألفا من الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم، تحت سلطة الحُكم الصهيوني، بأنهم "خانوا" لمجرد "قبولهم" بالمواطنة و"الجنسية الإسرائيلية". وعمليا فإن برأيهم كان علينا استكمال المشروع الصهيوني طوعا، مشروع التطهير العرقي كليا، في المناطق التي أقيم عليها الكيان الإسرائيلي.
والحديث ليس عن نفر عابر، بل كما يبدو هم تيار ظاهر على السطح، مدفوعا من الموجة التي اشتدت في السنوات الأخيرة، يطغى عليها نهج "العنتريات"، والمزايدات القومجية. ويشتد "أزيز" تعابيرها، مع كل ارتفاع للهيب حريق الشرق الأوسط، الدائر منذ ست سنوات، بموازاة الحريق الفلسطيني الأساس المتصاعد منذ 70 عاما. ونراهم يصدرون "صكوك التخوين"، وينصبون "أعواد المشانق". ولا ترمش لهم عين حينما يخوّنون شعبا بأكمله، قابضا على جمرة البقاء.
أن يفلت 153 ألفا، من جرائم الطرد والتهجير في العام 1948، فتلك بطولة أفشلت اتمام المشروع الصهيوني كاملا. وأن نكون اليوم عشرة أضعاف، فهذا انتصار أضخم، لأنه يتحقق على الرغم من كل السياسات الصهيونية. فقد قال البائد دافيد بن غوريون، إن خطأ الصهيونية هو "السماح" ببقاء فلسطينيين في كيانه. وذاك لم يكن بقاء مفروغا منه، لأن محاولات التهجير الفعلي استمرت لسنوات عديدة بعد عام النكبة. وكل سياسات التمييز العنصري وتضييق الخناق المستمرة حتى الآن، تنبع من ذات المشروع الصهيوني، الذي توهّم بأن سياسته هذه ستدفع الأجيال الناشئة على الهجرة الطوعية، وهذا ما أفشلناه.
لم يكن البقاء مهمة سهلة؛ شعب منكوب فقد أرضه ومصادر رزقه، وتحول 25 % منه إلى مهجّرين في الوطن، وفقد تواصله مع القسم الأعظم من شعبه. في تلك الأيام كانت أولى المعارك "معركة الهويات"، حينما سعى الصهاينة لتوزيع بطاقات هوية مؤقتة، تمهيدا لطرد عشرات الآلاف بذرائع مختلفة. وتبعتها معركة الأرض، ومعركة الحفاظ على الهوية الوطنية واللغة. معارك كلفت دماء كثيرة وحصدت مئات الشهداء، والكثير الكثير من البؤس.
فأن يصدح صوت توفيق زياد في 1959 "كأننا عشرون مستحيل في اللد والرملة والجليل"، لم يكن أمرا سهلا، تحت حراب الحُكم العسكري. وحينما صرخ محمود درويش "سجل أنا عربي.. وحذار من جوعي ومن غضبي"، فذاك لم يأتِ من "أفضال ومناعم الديمقراطية الصهيونية"، بل إن أدب وشعر المقاومة، الذي رواده في تلك المرحلة توفيق زياد وإميل حبيبي ومحمود درويش وسميح القاسم وغيرهم، كان له ثمن دم وعذابات، وهو أكبر تعبير عن صلابة الموقف، ونمط المقاومة الأفضل لتلك المرحلة. وهذا هو الأدب الذي بلور جيل ما بعد النكبة، جيل التحدي، صانع يوم الأرض 1976. ورغم هذا، فهناك من لا يخجل من صهينة بعض من ذاك الأدب، تفريغا لهوس، أو لتصفية حسابات سياسية.
معركة البقاء في بداياتها، علقت فيها أخطاء سياسية، بالذات عند القوة السياسية الأساسية والأكبر دون منافس، التي قادت نضال فلسطينيي 48، في العقود الأولى؛ وأقصد بهذا الحزب الشيوعي، الذي أعاد مرارا تقييم التجربة وانتقد ذاته، حيث وجب. وشهد في العام 1965 انشقاقا، بين الغالبية الساحقة من الشيوعيين العرب ومعهم يهود مناهضون أشداء للصهيونية، وبين تيار متصهين، سرعان ما تلاشى بعد ذلك الانقسام. إلا أن أسس نهج الكفاح والنضال الميداني الذي وُضع منذ العام 1948، هو الصخرة الثابتة التي يرتكز عليها بقاؤنا في هذه المرحلة، فكل تطور وتصعيد للنضال، يرتكز على تلك الأسس.   
ليس مريحا أن نضطر لتكرار مثل هذا الكلام من حين إلى آخر، ولكنه كما يبدو خيار اللا مفر أمام حملات التجني والتزوير والتزييف. فقد قلت هنا سابقا، ليس كل شيء عندنا يلمع، وتجارة الضمير رائجة، ونهج "هيا بنا نتصالح ونتهادن مع الصهيونية" قائم؛ إلا أن السواد الأعظم من فلسطينيي 48، هم أولئك المتمسكون بهويتهم وبقائهم، يتقنون الأداء، يعرفون كيف يعايشون الواقع، دون الانصهار في مشاريع الأسرلة، وهذه مقاومة ابداعية.
يجن جنون الصهاينة، حينما يصطدمون في مناسباتنا الوطنية، بواقع أن الأجيال الناشئة، هي الوجه الطاغي على نشاطاتنا. ومن يتغنى بهذه الأجيال، فليفحص بعمق على أي أسس تتم تنشئتها؛ لأن هناك من يزعم أننا عرفنا النضال مع ظهور الفضائيات، والاستعراضات الكلامية النارية في الاستوديوهات المُكيّفة.
إذا كان بقاؤنا في الوطن، ونهجنا الوطني الذي ضمن لنا البقاء، والتمسك بالهوية هو "الخيانة" فنحن "خون"، ونعتز بما نحن فيه.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لكم المجد ، كل المجد (ابراهيم جابر ابراهيم)

    السبت 9 أيلول / سبتمبر 2017.
    كل فلسطيني ظلَّ على أرضه فهو على الأقل حرَّر المساحة التي تحت حذائه . والمربع الذي تقف فيه شجرته . والخمّ الذي فيه حماماته . والطريق التي يمشيها كل يوم الى شغله ومدرسته ، وحتى تلك الطريق التي يُحمل فيها الى مقبرته ، بل وحرّر مقبرته ، وحرّر مساحة المترين التي ستحتضن رفاته المسجّى . لا أحد ، لا أحد أبداً، من عرب أو حتى من فلسطينيي الشتات له شبهة الحق في تخوين "فلسطينيي الحق التاريخي" الذين بقوا قابضين على الهوية/ الجمرة.
    ( كانت تسمى فلسطين .. صارت تسمى فلسطين ) بفضل من بقي يعطيها هذا الإسم وهذه اللهجة وهذه الرائحة .
    كل شعبنا في الـ 48 يكافحون بالكتابة والأغنية والندوة والمقالة والزي الوطني والثوب المطرز والأكلات الشعبية وحكاية الخراريف للأولاد .. ويكافحون أيضاً على طريقة "الجبّارين" بالسلاح حين يقتضي الأمر !
    ولو ظلّ في آخر الامر 10 فلسطينيين فقط في أرض الحق التاريخي فسيبقون صداعاً لا ينتهي في "رأس إسرائيل".
    المجد كل المجد للذين لم يشردوا من البلاد ؛ كما فعلنا .
  • »مقال برهوم جرايسي (ابراهيم)

    السبت 9 أيلول / سبتمبر 2017.
    سلمت يداك ولسانك اخ برهوم فانت رائع دوما فيما تكتب.شكرا.