(النصّ) و(العالَم): دخول.. خروج (2 - 2)

تم نشره في الخميس 14 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً

معاذ بني عامر

السؤال الافتتاحي هَهُنا، استكمالاً لما طرحته في المقالة السابقة حول النص والعالم:
إلى أيّ حد يُشكل التموضع في النصّ خطراً على الإنسان، لا سيما في عدم خروجه من إلى العالَم إلا اقتضاء لواقع ذلك النص؟
بلغة أخرى، إلى أي حد تصبح نظرة الإنسان للعالَم مرتهنة بنصٍّ أو بنصوص بعينها، بحيث لا يعود شيء في العالَم إلا وله أصل في ذلك النص أو تلك النصوص؟
بلغة ثالثة: هل ثمة خطر على الإنسان في أن يُحدّد رؤيته للعالَم، اقتضاء لواقع نصٍّ بعينه من دون 1- النصوص الأخرى. 2- الدخول إلى العالم؟
لكي أجيب عن هذا السؤال الإشكالي، لا بدّ لي من التأشير على نوعين من النصوص، لهما دور رئيسي في الضغط على تشكيل الرؤية الإنسانية للعالم في بُعديه الفيزيقي والميتافيزيقي.
أولهما: ناعم نظراً لعدم انطواء بنيته التكوينية على إكراهات أو استلابات، من شأنها التأثير السلبي على خيار المُتلقي في رؤيته للعالَم. بل يتدفق النص إليه بسهولة ويسر، دون أن يكون ثمة عقاب من نوعٍ ما في حال عدم الاقتناع به، أو الأخذ بمقتضياته. بل ثمة أريحية في التعامل معه، سواء في مرحلة القراءة أو مرحلة التأويل. إذ لا إلزام أو التزام يُخضع القارئ إلى شرط مُسبق سيجعل منه رهيناً لتلك النصوص. وهنا أمكنني التذكير ببعض النصوص التي أتيتُ على ذكرها في الجزء الأول من هذه المقالة مثل مسرحية أوديب ملكا لسوفوكلوس أو الألياذة لهوميروس أو محاورات أفلاطون أو ألف ليلة وليلة أو جوستين للمركيز دو ساد أو فرانكشتاين لماري شيلي أو أحدب نوتردام لفكتور هوغو أو مطر بدر شاكر السيّاب أو الجريمة والعقاب لدوستويفسكي أو زوربا لنيكوس كازانتزاكزي أو يحيى لسميحة خريس أو أولاد حارتنا لنجيب محفوظ...الخ.
فمثل هذه النصوص تشكل هاجساً قوياً للقارئ لكنها غير مطبوعة بطابع إكراهي ابتداءً، فهي لا تحمل لغة الوعد والوعيد لمن يخالف شرعتها أو تعاليمها. بل تحافظ على مسافة مع القارئ، رغم قدرتها أو قدرة بعضها على المساهمة في تشكيل جزء من رؤية الإنسان للعالَم. فنصّ مثل أوديب ملكا لسوفوكلوس كان قد ساهم في تطوير مفهوم عقدة أوديب في مدرسة التحليل النفسي، لكن هذا التطوير لا يحمل في طياته إكراهاً أو عقاباً –مادياً كان أم معنوياً- في حال عدم الأخذ بالنظرية أصلاً، بل عدم الأخذ بالنصّ أساساً. فقراءة النص هنا ودوره في (تشكيل/ عدم تشكيل) رؤية للعالم، لا تندرج ضمن ما اصطُلح عليه بالقراءة الإيمانية للنص، والتأويل له لا يندرج –هو الآخر- ضمن ما اصطُلح عليه بالتأويل الإيماني للنصّ. بل يُتعامل معه تعاملاً أريحياً، نظراً لعدم انطواء بنيته الأصلية على تشريع إكراهي لناحية اعتباره نقطة انطلاق في رؤية الإنسان للعالم، بل هو محض مُساهم مساهمة إيجابية في تشكيل رؤية الإنسان للعالم، دونما حَجْر عليه في مقاربة العالم مقاربة نصّية بالأساس.
وثانيهما: يحتملُ إكراهاً أو/ واستلاباً مبدئياً، فهو إذ يقول للقارئ اقرأ –كمرحلةٍ أولى-فإن ثمة تبعات لهذه القراءة إذ لم تُشكّل رؤيته الكلية للعالَم، بما يضعه أو بالأحرى يُدخله في رَحِم هكذا نصوص، لذا يصبح العالَم الخارجي موجوداً ضمناً داخل هذه النصوص. ويصبح –أيضاً- الخروج على تعاليم هذه النصوص أمراً محفوفاً بالمخاطر، نظراً للحمولة التحذيرية المبدئية من عدم الأخذ بتعاليم هذه النصوص أثناء مقاربة العالَم. فهي ليست متجاوزة للعالم فحسب –اقتضاء لواقع الحال- بل وصانعة له أيضاً، فهي بمثابة الصفر المعرفي الذي تنبني عليه معادلة الوجود الإنساني في هذا العالم، من مبتداه إلى منتهاه. فهو إذ يرى نجمة أو فراشة أو نهراً أو ناراً أو حصاناً أو امرأة...إلخ، فإنه يراها وفقاً لاعتبارت النصّ، لا كما هي موجودة في العالَم أصلاً.
وهو إذ يقول للقارئ تأوّل –كمرحلةٍ ثانية-  فإنه يسعى إلى تثبيت ما أقرَّهُ في مرحلة القراءة لناحية اعتبار أي تعامل مع العالَم بمثابة تأكيد على ما جاء في النصّ التأسيسي. فالقارئ مرهون من لحظة الميلاد إلى الأبد لهذا النص أو ذاك، طالما أنه آمن به وبما جاء به من تعاليم. فمثل هذه النصوص لا تشكّل هاجساً قوياً فحسب يمكن للمرء أن يقبله أو يرفضه بسهولة، بل تعمل على طبعه بطابعها، فوجوده في العالَم مرهون لها، وأي قرب أو بعد عن هذا العالم ينبغي عليه أن يكون وفقاً لتعاليم تلك النصوص.
وقد أثبتت التجربة التاريخية وما تزال حجم الضغط الكبير الذي تُمثّله النصوص الدينية –كمثال على النمط الثاني من النصوص- على أتباعها، لانطوائها على شبكة كبيرة من التعاليم والشرائع التي تضع الإنسان أمام خيار: (افعل/ لا تفعل) مستخدمة نظامي الترغيب والترهيب؛ مرة للأتباع ومرة للمخالفين. فالخيار المبدئي (افعل/ لا تفعل) لا يمثّل حالة إكراه فحسب، بل وحالة انعزال أيضاً. فالدخول في النصّ لا يتضمن خروجاً إلى العالَم، إلا بالمقدار الذي تسمح به تلك النصوص، فأي نأمة أو حركة في تقاطعات الإنسان مع العالم ينبغي عليها ان تنسجم مع تعاليم تلك النصوص بشكلٍ قاطع ونهائي. وفي حال عدم الامتثال لذلك يصير العقاب في بُعديه الفيزيقي والميتافيزيقي أمراً مشروعاً ومرغوباً، نظراً للتهديد الذي يحمله الخروج دون إذن مسبق من النصّ. فالمؤمن بالنصّ الديني إيماناً تسليمياً، يرتهنُ ابتداءً في علاقته بالعالم لهذا النص، لذا يصير البحث عن دعائم أو روافض لعلاقة الإنسان بالعالم أمراً مصيرياً. فالمؤمن الحقّ لا معنى له في هذا العالَم إلا بما يقره له نصّه الديني.
بالعودة إلى الخلف دعونا نتساءل مرة أخرى: هل ثمة خطر على الإنسان في بقائه داخل النص وعدم خروجه إلى العالَم، وإذا ما أراد الخروج خرج وفقاً لاعتبارات نصّ بعينه، بحيث تصبح الشجرة الموجودة في العالَم مؤطرة سلفاً بما يقتضيه النص. أم إن الأمر فيه نوع من الوجاهة والمعقولية؟
أنا أقول: قد يُشكّل النصّ عقبة كبيرة أمام الدفقة الحضارية التي يمكن للإنسان أن يجترحها بموجب العلاقة الجدلية بين مكتسباته العقلية ومادة العالَم؛ تحديداً إذا ما حاصر النصّ الإنسان ابتداءً بجملةٍ من الأوامر والنواهي التي تجعله خائفاً ومستريباً من مقاربة العالم والدخول في جدلٍ دائم ومُتنامٍ مع مادته، إلا بموجب تلك الأوامر والنواهي. فهو إذ يريد أن يقارب مادة هذا العالَم فإنه يخضع لاعتبارين قد يهلكانه حضارياً: 1 - استفتاء النص واستطلاع أمره قبل الشروع في مقاربة هذه المادة، خشية من الوقوع في المحظور. 2 - إخضاع المقاربة لمراقبة نصّية أساساً، بحيث لا تخرج المقاربة عن تعاليم النص ونواميسه.
إن التموضع في النصّ بصفته رَحِماً يُنْظَر من خلال شقوقه إلى العالَم، قد يخلق حالة من اللذة لدى الجنين الموجود داخله، لكن مع أول خروج له إلى العالَم سيجعله ينتحب ويبكي بكاء مريراً، فتلك اللذاذة والطمأنينة التي اعْتُقِدَ أنها غاية قصوى؛ ها هو يفقدها مع أول معاينة للعالم خارج النص.  

التعليق