عمل مسرحي جديد يجمع المخرجة مجد القصص والكاتبة سميحة خريس

"أوركسترا".. تنهض بعاطفة المرأة بحثا عن عدالة غائبة

تم نشره في الجمعة 29 أيلول / سبتمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • مشاهد من مسرحية "اوركسترا" - (من المصدر)

سوسن مكحل

عمان- تصرّ المخرجة والدكتورة مجد القصص على نبش ذكريات أليمة عايشتها المرأة في زمن ما ينسحب عليها حتى اليوم. زمن لا يخلو من تهميش للعواطف وغياب للعدالة في ظل سلطة ذكورية مجتمعية تمنح الرجل حقوقا وامتيازات ما تزال تندد بها المرأة وترفضها جملة وتفصيلا من مختلف منصات المجتمع ومؤسساته.
وأيضا من الفن والمسرح تنصف القصص المرأة وتحاول بكافة أدوات المسرح تحقيق جانب من عدالة لم تمنح لها بالحياة، وتطالب بفتح الأبواب والشبابيك إن أمكن لهذه الأنثى لتستطيع الخروج نحو ما تريد وتحقق ما تصبو اليه.
هذه المواضيع وأكثر ما اعتادت المخرجة القصص على طرحها، وجاءت هذه المرة من خلال قصة نساء يقبعن في دار المسنين يسترجعن ذكرياتهن من واقعهن المرير، ومحاولتهن البحث عن الحب والحياة بمسرحية "أوركسترا" التي عرضت مساء أول من أمس على خشبة مسرح "هاني صنوبر" بالمركز الثقافي الملكي.
كاتبة العمل الروائية سميحة خريس أقرب لمحاكاة واقع المرأة الذي أخذ منحى عاطفيا يعاين وضع النساء مع الرجل وبحثهن عن الاستقرار العاطفي بالحب والزواج وحلم الأمومة.
وتناول النص ايضا حكايات كما استعرضتها المخرجة القصص، وكان واضحا أن الكاتبة الأردنية استطاعت الحفاظ على توازن القوى فيه بين الرجل والمرأة، فظهرت المرأة أحيانا مخطئة خلال مراحل بحثها عن العاطفة والحب وشريكة بالجريمة الإنسانية دون وعي وإدارك بما يؤثر على مشاعر امرأة أخرى منكوبة أيضا.
هي قصص لخمس نساء يتواجدن في ملجأ للعجزة وتدور بينهن ذكريات الماضي وخسائرهن التي ترتبط بأسباب اجتماعية وعاطفية واقتصادية متناقضة، إلا أن الهم المشترك يجعلهن وكأنهن أوركسترا واحدة.
التجريب الذي استخدمته المخرجة في خلق صورة من حكايات النسوة في دار المسنين، واستطاعت فيه المخرجة تحويل الواقع إلى وهم باستخدام عناصر الغناء الحي وأغنيات شعبية رفدت العمل بصورة لطيفة ومؤثرة.
تجلس النسوة الأربعة على كرسي متحرك وقد بدت عليهن آثار الكهولة والعجزة يتحدثن عن ماض مررن به غالبا ما أفضى لتضحية منهن مقابل الحصول على حياة لم تحصل عليها احداهن فبقين نزلاء بين جهاز "الووكر" للمشي وكراسي المقعدين للحركة.
دور "الرجل" الوهم الذي تستذكر كل امرأة فيهن حكاياتها، أداه الفنان الأردني زيد خليل مصطفى والذي يبرع دوما في الحفاظ على توازن شخصيته والتنقل بحرفية من مكان وزمان وشخصية لاخرى بخفة وسلاسة تظهر تفوقه دوما بحمل جزء كبير من قيمة العرض الذي يقدمه.
شخصيات نسوية بدأت لشدة المعاناة بما مرّت به، تشبه حكاية المرأة نفسها "الممثلة" وكأنها تروي فصلا مهما من حياتها حقيقي الى حد ما، إذ استطاعت الممثلات الخمس: نهى سمارة، بيسان كمال خليل، سارة الحاج، دعاء العدوان، ميس الزعبي، استنطاق مشاعرهن الحقيقية واسقاطها على الشخصيات اللاتي قدمنها.
وظهر ذلك جليا بالحديث عن البحث عن الأمومة والحب والاستقرار ومحاولة التضحية من أجل الرجل، وهي أمور عادة ما تشترك بها جميع نساء الأرض في بحثهن عن الحقوق الطبيعية لهن. والتي سرعان ما تصطدم بظروف قاسية غالبا ما تدفع ثمنها المرأة وحدها إما بالبقاء وحيدة وأحيانا بزواج رجلها باخرى أو خيانتها بعد طول انتظار وربما هجرانها لتضحية من أجل الوطن دون عودة.
أحد عشر مشهدا تتوالى فيهم الأحداث الصارخة لعواطف المرأة التي ترتدي ثوبا كلاسيكيا عادة ما يستخدم في دور المسنين بلون أخضر يحمل دلالة أن هؤلاء النسوة كان لديهن حياة، لينتقلن بعدها لذكريات شبابهن ويرتدين الثوب الأحمر الذي يصف مرحلة شديدة الخطورة ويوحي أيضا بمرحلة التألق والجمال والنضوج.
في دار المسنين تلك جميع النسوة سواسية محترقات متألمات يشتركن في وهم اسمه "رجل" لم ينجبن أبناء يسندهن كما قيل بالعمل في هذه الحياة، أرهقتهن الوحدة فكررن قصصهن وأحاديثهن على الممرضة التي تمل من تكرار القصص وتصرخ لتبدأ برواية قصتها ومخاوفها جرّاء العمل بدار المسنين وسطوة والدها وعقابه من الرجل، فيبدوا أنها تخسر أيضا حبيبها واستقرارها في هذه الحياة وهي المراة الخامسة التي تستكمل "اوركسترا" العمل لتصدح مع النساء بمغناة البحث عن أمل.
طريقة عرض المخرجة القصص "الستايل" الخاص بها يظهر في كل عمل الا أن هذا العمل تفوّق بقدرة القصص على استقراء النص وتحويله لدراما مسرحية تعتمد على تعاطي الفنان مع داخله وبعده النفسي مقلّة في استخدام الايقاعات التي تطغى بالغالب على أعمالها.
فكان استخدام الايقاع من كراسي وأدوات في مكانة وغير مبالغ فيه، إضافة إلى غناء وعزف جيتار ليزن أبو سليم ساهم في اتزان العمل واعطائه صبغة مؤثرة ومتفاعلة مع العرض.
السينوغرافيا البسيطة التي اعتمدتها القصص بالملابس واستخدام موفق للاضاءة والألوان التي ظلت معتمة أغلب الوقت تماشيا مع النص الدرامي الذي يحتمل أحيانا تسميته "كوميديا سوداء"، إضافة إلى استغلال كل ما فوق الخشبة من ممثل وكراس وعصي لتتمة العرض بأبهى صورة. ولم تقذف بالمشاهد نحو الملل أو الرتابة لحساسية المواضيع وجرأتها التي وضعتها القصص في حيّزها السليم، بعمل ممتع يجذب الحضور بشكل لافت.
وسبق وأن قالت القصص في حديثها لـ "الغد" أن "المسرحية تدور حول واقع المرأة العربية وبحثها كأنثى عن دورها بالمجتمع في ظل غياب العدالة، عبر التطرق لأكثر من نموذج لسيدات يعانين بمجتمعاتهن من ضغوطات نفسية بإطار نمط الكوميديا السوداء للخروج بالمرأة والرجل لغد أفضل".
وتدعو المسرحية، وفق القصص، إلى تجاوز السلبيات في حياة الرجال والنساء في المجتمع، وتطمح لصناعة عالم أجمل في الغد يخلق توازنا بين الجنسين.
وتستمر عروض المسرحية عند الساعة الثامنة من مساء كل يوم حتى الثاني من شهر تشرين الأول (أكتوبر)، في المركز الثقافي الملكي على خشبة مسرح "هاني صنوبر".
ويؤدي العمل الفني المسرحي الجديد "اوركسترا" كل من؛ زيد خليل، نهى سمارة، بيسان كمال، سارة الحاج، دعاء العدوان، ميس الزعبي، كوريوغرافيا آني قوره ليان، موسيقى تصويرية محمد طه، غناء وعزف غيتار يزن أبو سليم، فني صوت خالد خلايلة، أزياء فكرية أبو خيط، مساعد المخرج محمد العشي، وهي من إنتاج فرقة المسرح الحديث بالتعاون مع أمانة عمان الكبرى والمركز الثقافي الملكي.
يذكر أن المخرجة الأردنية مجد القصص حاصلة على درجة الدكتوراة بالمسرح وتعمل حاليا، مساعد العميد لشؤون الطلبة والأنشطة في كلية الفنون والتصميم بالجامعة الأردنية.
وتملك القصص رصيدا كبيرا من الأعمال الفنية، فقد شاركت بـ50 عملا مسرحيا ما بين تمثيل وإخراج وكتابة وإنتاج، إلى جانب 30 مسلسلا أردنيا وعربيا، وحصلت على العديد من الجوائز المهمة على المستويين المحلي والعربي.

التعليق