حرية التعبير وقصة النائب طهبوب وحياصات

تم نشره في الأحد 1 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:06 صباحاً

تقدمت النائب ديمة طهبوب بشكوى للمدعي العام بحق الناشط السياسي راكان حياصات على خلفية منشور له اعتبرته النائب طهبوب مسيئاً لها، وقرر المدعي العام توقيف الحياصات.
هذه القضية فتحت جدلاً واسعاً طوال الأيام الماضية يتركز على حدود حرية التعبير، والفرق بين النقد المباح والقدح والذم والتشهير، وطرحت أسئلة لا تقل أهمية عن ضرورة تقبل الشخصيات العامة للنقد.
منذ عودة الحياة الديمقراطية ونحن في نقاش محموم، وكلما مر الأردن بأزمة زادت الأسئلة المقلقة أهمية، وبعد سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي واستحواذها على جل الاهتمام أصبح من الضرورة التوافق المجتمعي على مفاهيم حقوقية أساسها وعلى رأسها حرية التعبير.
بكل ثقة أؤكد أن لجوء الانسان للقضاء حق مقدس، لا يشكل إساءة أو عيباً لكلا الطرفين المشتكي والمشتكى عليه، فاللجوء للقضاء سياق للإنصاف في دولة القانون، وإن كنت شخصياً قد أخدت عهداً على نفسي منذ بدأت بالعمل العام قبل أكثر من 25 عاماً أن لا أقيم دعوى قضائية ضد أي شخص شتمني، أو أساء لي، أو روّج لافتراءات ضدي، وكانت وماتزال قناعتي بأن ضمان حرية التعبير يحتاج إلى صبر وتحمل، والأَولى بالطبع بكل الشخصيات العامة أن يدركوا أن من يتقدم للعمل العام عليه أن يتحمل النقد وحتى الكلام القاسي، وإن كان لا يريد أن يتعرض لذلك، فعليه أن يلزم بيته ويبتعد عن الحياة العامة.
واستناداً لهذا الفهم فلو كنت مكان النائب ديمة طهبوب لما تقدمت بشكوى للمدعي العام، ولقبلت طوعاً بثمن الموقع العام، وتحملت النقد أو الأساءة وإن كان الأمر قاسياً وصعباً، خاصة أن التشريعات الناظمة لحرية التعبير والإعلام مقيدة ولا ترقى للمعايير الدولية.
ومن الضروري التنويه إلى أن التوقيف الذي تعرض له راكان وغيره من قبل ليس مسؤولية النائب ديمة طهبوب أو المشتكي، وإنما المنظومة القانونية التي نعارضها، فالتوقيف عقوبة مسبقة، والقضايا التي تقام على النشطاء وحتى الإعلاميين تعد قضايا جزائية يجوز التوقيف والحبس بها، والأصل أن تكون قضايا مدنية.
في دول العالم المتقدمة تندرج قضايا القدح والذم في إطار القضايا المدنية التي يترتب على مرتكبها تعويضاً مالياً، ولا يجوز التوقيف والحبس فيها.
هذا الكلام لا يبرر أبداً لجوء الناس للشتم والإساءة، التلفيق والتحريض، فهذا كله ليس من باب حرية التعبير، ونحتاج إلى "تربية إعلامية" وخاصة في المدارس والجامعات حتى نتعلم الحوار والاختلاف دون "عنتريات" وإساءات.
كل يوم يمضي وتتطور فيه منصات التواصل الاجتماعي وتكنولوجيا الاتصال تزداد التحديات أمام المجتمعات، وتطرح الأسئلة كيف نتعامل مع فوضى المعلومات، وتدفق الإشاعات، وشيوع خطاب التحريض والكراهية؟
 الأردن ليس استثناء من هذه الأعراض الجانبية للتكنولوجيا وتوسع هوامش حرية التعبير للأفراد، وباعتقادي أن فرض العقوبات وتغليظها في القوانين كما هو المشروع المعدل لقانون الجرائم الالكترونية ليس الحل، ولن تنتهي هذه الظاهرة أبداً.
منذ عام 1993 أول قانون مطبوعات بعد عودة الحياة البرلمانية وحتى الآن أكثر من 10 تعديلات على القانون ولم تحلّ المشكلة، واليوم القضية تتعدى حدود صحف يومية وأسبوعية ومواقع الكترونية، إلى شعب كامل يستخدم الفيسبوك، تويتر، يوتيوب، سناب شات، وواتس اب، فماذا ستفعل الحكومة... هل ستلاحق 10 ملايين مستخدم أو أكثر لوسائل التواصل الاجتماعي في الأردن؟
مرة أخرى لست مع الشتم والتلفيق وضد خطاب الكراهية، غير أنني لا أجد الحل في مشروع قانون جديد لوسائل التواصل مثلما طرحت الحكومة سابقاً، ومثلما يتردد من معلومات أن مجلس الأعيان يناقش هذا الموضوع ويعدّ مسودة للأسباب الموجبة وسيحيلها للحكومة.
يستحق الأمر أن ندير حواراً مجتمعياً معمقاً عن حرية التعبير واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وتأثير وتداعيات هذا الأمر على الحياة الديمقراطية والسلم المجتمعي، قبل أن نذهب إلى أقصر الطرق بفرض عقوبات مغلّظة قد تردع مؤقتاً وتخيف الناس، وقد يسيء ذلك لصورة الأردن، ويسهم في تراجعه على مؤشرات الديمقراطية والحريات، ولكنها لا تغير طريقة تفكيرهم وآليات استخدامهم لمنظومة وسائل التواصل الاجتماعي؟

التعليق