"غدانا صاير"!

تم نشره في الثلاثاء 3 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:03 مـساءً

في معظم دول العالم إن دخل الزوج غرفة الإنعاش، تسارع الزوجة لتحضن ألبوم الصور وتسترجع الذكريات الجميلة، وتبقى تتابع مع الأطباء وضعه الصحي، ولا تفقد الأمل حتى لو كان زامور جهاز الأنعاش أعلى من زامور تريلا، وإذا ما جاء خبره تدمع وتغادر الى الحديقة التي كانا يجلسان بها لتتأمل وحدها شريط الذكريات، ومن ثم تذهب الى المنزل وتحضن الدبدوب الذي أحضره لها في فترة الخطوبة، حيث إن الدبدوب في مثل هذه اللحظات العصيبة هو الوحيد القادر على تخفيف ألم الفراق.
في الأردن، حين يدخل المريض غرفة الإنعاش يهرع كل رجال العشيرة والجيران والأنسباء والأصدقاء، وأوّل ما يقومون به هو طق (اللصمة) لإخفاء ملامح الحزن، بحيث إذا أفاق المريض من غيبوبته وشاهدهم قد يموت من رعب المشهد وليس من المرض!
في تلك اللحظات الكل ينتظر من الطبيب أن يعلن صافرة النهاية، وجميعهم موجودون ليس للتبرع بالدم، أو التفكير بنقله الى مستشفى أحدث، أو محاولة التخفيف عن أهله وأن لايفقدوا الأمل، بل لكي "يأخذوا غداء المجبرين". الكل جاهز ومتأهب للانقضاض على أولاده وأعمامه وأخواله عند أعلان الوفاة، وكأن الحصول على غداء المجبرين أشبه بالحصول على جائزة نوبل بالفيزياء!
الكل جالس وخائف أن يغادر فيأتي ملك الموت وهو غير موجود، لذلك إن شعروا أن المريض يحتاج بعض الوقت ليموت، يرتبون فيما بينهم مناوبات تشبه مناوبات الحراسة، كلما خرج طبيب من غرفة الانعاش معبس الوجه قالوا في أنفسهم: شكلها هانت، وكلما دخلوا على المريض تحسسوا جسده فإذا كان باردا قالوا في أنفسهم: قربت، لا أحد منهم يبعث رسائل تفاؤل والكل يبحث عن علامات الموت وليس لديهم أمل حتى بنجاح المريض في فحص البول!
ما إن يعلن عن وفاة المريض، حتى يبدأ الهجوم المباغت على كبير العائلة، ولا تسمع الا سايق عليك الله لا تفشلنا، أو يمين طلاق بالثلاثة غير عندي، ومنهم من يحلف أغلظ الأيمان بأنه قام بحجز اللحمة والأرز واللبن منذ اليوم الأول لدخول المريض المستشفى!
المهمة ليست سهلة، وقد يحتاج تقسيم (الغديات) الى اجتماعات ولقاءات ثنائية وتحالفات أكثر من التي عقدت عند تقسيم الوطن العربي!
في النهاية تنجح المفاوضات والوساطات بإنهاء حالة الانقسام ويرضى الجميع بقسمة كبير العائلة، علما أن المرحوم وهو بكامل صحته احتاج عشرين دينارا لتصليح طرمبة البكم فلم يجد من كل هؤلاء من يعطيه هذا المبلغ الزهيد، بينما بعدما مات ظهرت الأموال لتكريمه!
الحكومة تتعامل معنا بنفس المفهوم، فهي تنتهج السياسات المالية وتنتظر موت المواطن حتى تقوم بالواجب، هي تدرك أن المواطن حين يصبح عاجزا ماليا وبحكم المتوفى، سينتقل الجميع للدراسة والعلاج في المدارس والمستشفيات الحكومية وسيكلفها ذلك الملايين، وسنصبح جميعا تحت مظلة التنمية الاجتماعية وستحتاج الى مليارات لتغطية المشتركين الجدد، وستسير قوافل الغذاء والألبسة والحرامات.
في النهاية غداؤنا وعشاؤنا ودواؤنا وراتبنا من الحكومة فلن تتكفل بنا حكومة سنغافورة مثلا، فلماذا تنتظر الحكومة موتنا لتدفع علينا، بينما ما يزال فينا نفس من الحياة وبإمكانها أن تيسر على الناس لتدوم الحياة دون أن تتورط بنا مستقبلا؟!

التعليق