ويستفاليا عاشت طويلا: 369 عاما من عمر الدولة الأوروبية

أيهدد شبح الانفصال دولة ما بعد الثورة الصناعية الأوروبية؟!

تم نشره في الأربعاء 11 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 11 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 09:49 صباحاً
  • صورة للوحة توقيع معاهدة ويستفاليا 1648 -(أرشيفية)
  • خريطة أوروبا عشية توقيع معاهدة ويستفاليا 1648 -(أرشيفية)

سليمان قبيلات

عمان- مثلما ولدت بعملية تاريخية طويلة، تحتشد نذر لما يمكن وصفه باضمحلال الدولة الأمة، التي تتهيأ لولادة تشكيل جديد لدولة ستقطع لا محالة مع مفاهيم سياسية استقرت منذ معاهدة ويستفاليا 1648 التي أنهت الحروب الدينية المدمرة.
فالمعاهدة التي صيغت بحرف فرنسي، في أواخر هذا الشهر من 1648 يتنبأ رئيس الوزراء الفرنسي السابق مانويل فالس، بانتهائها، وهو الذي تعود أصوله إلى برشلونة، معتبرا ان انفصال كاتالونيا ينذر بتفكيك الدولة الامة التي انتجتها مفاعيل معاهدة ويستفاليا. فالس يقول بلا تردد: ان "تفكيك إسبانيا (...) يعني تفكيك أوروبا. واذا فتحنا صندوق باندورا هذه، فستكون بلاد الباسك غدا، وبعدها منطقة الباسك الفرنسية، وبعدها شمال ايطاليا، وبعد ذلك الحرب".
على أن الحدث الكاتالوني، يدفع إلى واجهة البحث، تساؤلا مُلِحّاً عن ارتباط الخروج الكاتالوني الصاعق بخروج بريطانيا المدوي من الاتحاد الأوروبي قبل عام وأزيد..
هناك رزمة من الأسئلة التي تصطدم بها الدولة الاوربية الحديثة (الدولة- الامة)، وأهمها على الإطلاق: هل تؤيد الحقائق الأوروبية المتبلورة بعد عام من الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، ما خلصت إليه صحيفة لوموند الفرنسية في أحد تحليلاتها أواخر العام الماضي لانعكاسات البريكست حين كتبت قائلة: أدركت الأحزاب اليمينية المتطرفة في هولندا وفرنسا أن مؤيدي معاداة أوروبا هم أقلية. لذا، لم يعد حزب "الجبهة الوطنية" الفرنسي أو "حزب الحرية" الهولندي، يدعو إلى الانسحاب. وهذه حال حزب "البديل من أجل ألمانيا" الذي غير كبش محرقته من الاتحاد الأوروبي إلى المهاجرين؟
فالصحيفة الفرنسية خلصت باحتفالية إلى أن الاتحاد الأوروبي هو الملاذ الأخير للأوروبيين. وقالت: "..يبدو أن الأوروبيين يدركون على أمثل وجه العالم الذي ترتسم معالمه على وقع يقظة المشاعر القومية العنيفة في أميركا دونالد ترامب وصين تشي جينبينغ، وروسيا فلاديمير بوتين، وهند ناريندرا مودي. وفي عالم مؤتلف من كتل القوى هذه، لا ملاذ للأوروبيين غير الاتحاد الأوروبي".
لا بد أن لاستفتاء كاتالونيا، انعكاسات خطيرة على خريطة أوروبا التقليدية، حسب المحللين الذين يرون أن هذا المتغير قد يرقى للمساس بأسس الدولة الحديثة التي أنجزتها معاهدة (ويستفاليا) 1648 التي أنهت الحروب الدينية الطاحنة في أوروبا.   
أسطرة مفهوم "الغرب الأوروبي"
ترى ما الذي أسطر مفهوم  "الغرب الأوروبي" ليحمل كل هذه الإحالات؟ وما مصير القارة التي ولدت الولايات المتحدة الأميركية من رحمها؟ 
في مؤلفه "تاريخ أوروبا وبناء أسطورة الغرب" يجيب الدكتور جورج قرم عن أعمق هذه الاسئلة الحائرة. فيقول متسائلا: أيُعْقَل ألا تكون أوروبا اليوم، وهي التي أنجبت الولايات المتحدة، إلا لاحقاً لهذه القوة العظمى التي أضحت إمبريالية توسعية لدرجة تذكّر بما كان من حال الإمبراطورية الرومانية؟ ولا ننسى أنّ شبح انحطاط تلك الإمبراطورية وانحلالها، التي استوحت منه أوروبا في عصر النهضة، قد لازم الفكر الأوروبي كما الهُجَاس، تماماً كما يلاحق اليوم الفكر السياسي الاستراتيجي الأميركي. وماذا عن مركب أوروبا، الذي هو اليوم أكثر ثباتاً في تعلّقه بالجمهورية الأميركية التوسعية مما كان عليه خلال القرن العشرين؟ أيّ مصير يمكن أن يكون بانتظار أوروبا، وبخاصة أنّها تقبع في ظلّ قوس عواصف الشرق الأوسط العاتية، الذي يطوّقها ويتربّص بها؟ كانت للقوى الأوروبية العظمى مسؤولية تاريخية مهمة في العديد من النزاعات التي تمزّق هذه المنطقة المضطربة من العالم. فهل ستقوى أوروبا على التخلّص اللبِقْ من اللعبة فتنسحب منها، في ظل هذا الجو المثقل بالتهديد بين غربٍ أسطوري ميثولوجي، يقال فيه إنّه "يهومسيحي"، وبين شرق، لا يقلّ عنه تخيُّليّة، يقال فيه إنّه "عربي ـــــ إسلامي"، وهو جوّ بات اليوم يوصَّف كما لو أنّه يجسّد تماماً صحة مقولة "صراع الحضارات"؟ ولقد كان لجيوش منظمة حلف شمالي الأطلسي أن انتشرت في العالم، في ظل راية هذا الصراع بالتحديد، منذ بداية هذا القرن، واحتلت دولتين سيدتين، هما أفغانستان والعراق. فما الذي تفعله أوروبا في مثل هذا المشروع، الذي لا بد أن يذكّرنا بما أتت به في الماضي، يوم كانت تقود عملياتها الاستعمارية، مسوّغة سلوكها ذاك برغبتها في بسط النظام والحضارة؟   
قيم عصر الأنوار والحربان الكونيتان
جورج قرم يتناول باستفاضة موضوعة تشكل صورة الغرب الحالية، ويعالج الدور الذي أدّته الحروب والثقافة والفن في تحديد هذه الصورة وإيجاد أسطورة أوروبا المتحضّرة. ويتقصى قرم، عن مصير قيم عصر الأنوار، والأسباب التي أوصلت أوروبا إلى حربين داميتين. وفي مقدمته التي حملت عنوان "استثنائية أم حَتْميّة أوروبا في التاريخ المعاصر؟" يعرض جورج قرم كيف أمكن لفظة عادية جغرافية وفلكيّة التوجّه، كمثل لفظة "الغرب"، أن تمثّل في الفكر ذاك الحد المَهيب، لما يتّصف به من مِنعة تفوق تلك التي تتّصف بها كلّ العوائق الطبيعية التي تفصل بين المجتمعات وتباعد بينها؟ ويتساءل قرم : أتكون لفظة "الغرب" مولّداً لمشاعر الغَيريّة الجذرية، الفائقة التنوّع؟ أم تكون واحداً من تلك الشعارات التي تنطوي على كمٍّ هائل من الآمال الإنسانوية الطابع والمضمون؟ أم أنّها تحمِل كذلك في طيّاتها مجموعاً وافراً من التفاعلات والارتدادات السلبية الرافضة؟ كيف أمكن أوروبا، هذه القارة الصغيرة المشتملة على شعوب وثقافات متنوعة أن تولّد المفهوم الغيبي والجغراسي للغرب، ذاك المفهوم الأسطوري الشامل الجامع الذي مثّل حيّزاً تولّد فيه هذا الكمّ من الأفكار الجديدة التي غيّرت وجه العالم؟ ويضيف: تلك هي التساؤلات التي أردتُ الإجابة عنها في هذا الكتاب، وهو يمثّل امتداداً لمؤَلّفين آخرين سبقاه إلى طرح إشكاليات مختلفة، سيُستفاض فيها هنا، وتُسْبَر أعماقها. في تحليل مبدأ القوة المنظِّمة لمفهوم الغرب كنتُ قد حاولت بداءةً الشروع في التأريخ لانبثاق مفهوم "الغرب"، عارضاً لاستعمالاته الكثيرة في المضامير الفلسفية والتاريخية والاجتماعية والسياسية والجغراسية. فهذا المفهوم الجغرافي البسيط هو، في الواقع، متعدد المعاني، وهو كثيراً ما يستعمل على نحو مكثّف ينضح بالانفعالية، بل قل بطريقة وَسْواسية عُصابية، وذلك في أنماط مختلفة من الخُطب الفلسفية والأكاديمية والميتافيزيقية (أي التي تُعنى بالمطلقيات التي تتحكّم بحياة البشر) والتاريخية، وتلك المعنية بالهوية والسياسة. ولعلّ في مثل هذا البحث المعرفي الواسع الفائدة الكبيرة للقارئ واستثارته. وهو ما سنراه على امتداد هذه الدراسة. وفي انبثاق هذا المفهوم واستعماله المفرط والتكراري، طوال القرنين الماضيين، ما يدلّ على تَطْواف المخيّلة التاريخية والجغرافية في الثقافات الأوروبية المختلفة، كما خارج القارة.
الغرب محور مغناطيسي مثير للانفعال
يوضح قرم، أن "دراستي هذه لا تتقصّد البحث في هذا الشأن، بل هي محاولة أكثر بساطة، جهدتُ فيها لإيضاح أنماط الاستعمال الكثيف والمتزايد الانتشار لهذا المفهوم، لدرجة انتهى معها إلى تأطير وتوجيه كلّ الأبحاث والكتابات في مضمار العلوم الإنسانية، كما كل اشتغال عقلي يُعنى بالفكر الفلسفي ـــــ السياسي. وكما سنرى، شهد بشكل خاص كلّ من القرنين التاسع عشر والعشرين استعمالاً مكثفاً لهذا المفهوم، لدرجة خِلنا معها أنّه كان يؤدي دور المحور المغناطيسي المستقطب المثير للانفعال في الفضاءات الذهنية المختلفة، وفي الرؤى والإدراكات الحسية المتنوعة للعالم، التي كانت آنذاك تحرك أوروبا وتثير فيها الاضطراب. فكلما اشتد وطيس التناقضات بين الرؤى التاريخية والفلسفية للعالم من جهة، والمشاعر القومية النقيضة من جهة أخرى، متوافقاً وبروز التفجيرات العنفيّة القوية داخل القارة الأوروبية نفسها، لَقِيَ مفهوم "الغرب" تعميماً لافتاً. فيفرض بالتالي نفسه على الفلاسفة والمؤرخين وعلماء الأنثروبولوجيا والألسنية، الذين يتفكّرون في تنوّع الشعوب وما تنطق به من لغات، وفي مسار التاريخ الكوني، كما في الحيّز الذي تشغله أوروبا في كونيّة الجنس البشري. وعلى نحو هذه المفارقة، اقترنت استعمالات المفهوم بطابع المبدأ العقيدي والمرونة في آن معاً، وهو قد استحال إلى لفظة آلية ذات طابع سحري، إلى صيغة قطعيّة وتكرارية، تحدد إطار كل جهد فكري وتقيّده. كيف أمكن الجزء نفسه من القارة الأوروبية إنتاج عبقرية موزارت الفريدة، ومن ثم عبقرية هتلر الشيطانية وإذ عمدتُ إلى التوسّع في تأملاتي السابقة لمفهومَي الشرق والغرب اللذين كنتُ قد أطلقت عليهما تسمية "الهويات العملاقة" (mega-identites)، اللذين لا يلبث تجوال الفكر التاريخي والأنثروبولوجي أن يضعهما في تناقض جذري، حرصتُ في الفصلين الأوّلين من المؤلَّف على تحليل كلّ من العنصر التركيبي الميثولوجي للمفهوم، والأنماط والتقنيات المعتمدة في تشكيله وكيفية عمله، والوظائف التي يؤديها في المجالات المتنوعة حيث يجد له استعمالات، كما في الحِقب المختلفة التي يسير تاريخ القارة الأوروبية المأساوي والعنيف على وقعها. ولعلّ أكثر ما يبرز من النصوص العديدة المُستشْهَدْ بها في هذا المؤلَّف فيلفت انتباه القارئ، لا بل يستثير يقظته، هو بلا ريب، اختزال تاريخ القارة الأوروبية، بما يضمن في الغالب إفراغه من مصادر التنوّع المتعددة والتناقضات والأعمال العنفية البالغة القسوة، والارتقاء به إلى مرتبة المثال الذي يصحّ التماهي به. فالمراد من ذاك الاختزال وتلك الأمثلة هو، في الواقع، إرساء الأسطورة على أسس صلبة، وهذا يقتضي عزل العوامل المشوّهة وتهميشها، والقذف بها في غياهب التاريخ، أو على العكس، تحويلها إلى ظروف مُلزِمة بانبثاق وحدة الغرب، وذلك في المنظور الماورائي الديني للتاريخ. في مثل هذه المقاربة، يصبح من الممكن الجزم بوجود سلسلة تاريخية متواصلة ومتماسكة تنزع إلى هدف أوحد وفريد، منذ الأزمة الأكثر قِدماً. ومن المفترض بهذا التواصل التاريخي العابر للأزمة أن يضمن على الدوام، خلف الفوضى والأعمال العنفية والاختلافات، وجود وحدة سامية، تعلو عليها كلها، و"روحاً" أوروبية، كما و"حضارة" أوروبية واحدة ذات خصوصية فريدة، تحتل مكاناً مركزياً في تاريخ العالم.
استفتاء كاتالونيا: الحريق يبدأ بشرارة
ينظر إلى استفتاء اقليم كاتالونيا الإسباني، والتصعيد الذي اعقبه بصفته مؤشرا على تحول خطير قد يبلغ حد تغيير خريطة أوروبا التقليدية.
لكن هل ذلك هو ضرب في الخيال؟!
كتاب "صعود وانحدار الدولة"، الصادر في 1999 للمؤرخ مارتن فون كريفيلد، الذي يقرأ الدولة من بداية التاريخ، في العصرين اليوناني والروماني؛ مرورا بالدولة الحديثة وتطورها منذ صلح وستفاليا في 1648 حتى الأزمنة المعاصرة، يخلص إلى ما يعد تراجعا للدولة وأهميتها في حياة الممجتمعات المعاصرة. كريفيلد يسرد عوامل أربعة فاعلة ادت إلى بداية انحسار سلطة الدولة وهيمنتها: 1-تراجع الحرب؛ 2-تراجع مهمات الرفاه والرعاية الاجتماعية؛ 3-الانتشار العالمي للتكنولوجيا؛ و4-التهديدات المتزايدة للنظام الداخلي.
وهو يستند إلى آراء كريفيلد، يرى طيف من المحللين ان "العالم الغربي، شهد منذ سبعينات القرن الماضي انحساراً في عدد من أهم سمات مؤسسة الدولة الحديثة"، لافتين إلى "التوازن النووي عمل خلال سنوات الحرب الباردة على أن تتجنب أوروبا الحرب المسلحة الشاملة، وهي القارة التي ساهمت فيها الحروب المستمرة في ولادة الدولة والحديثة". ويقول هؤلاء المحللون إنه "منذ منتصف سبعينات القرن الماضي، ومع تضاؤل خطر انتشار الشيوعية وفقدان الفكرة الاشتراكية بريقها الإنساني، أصبح ممكنا لإدارة الرئيس الاميركي رونالد ريغان وحكومة مارغريت تاتشر(ثمانينيات القرن الماضي) التخلي عن أبرز مهمات الرعاية الكاملة، التي طورت أصلاً لمواجهة الخطر الشيوعي، وأن تنتشر فكرة السوق الحرة والنظام الاقتصادي الليبرالي في كافة أنحاء العالم. في الوقت نفسه، أفقد تقدم وسائل التقنية والاتصال الدولة تدريجياً لواحدة من أبرز سماتها: التحكم والرقابة. واكبت هذه المتغيرات تضخماً هائلاً في مقدرات الشركات الكبرى، التي لم تكتسب جنسيات متعددة، ولا فاقت مقدرات بعضها ميزانيات دول متوسطة الحجم، ولا عملت على انتقال رؤوس الأموال ومواقع الإنتاج من بلد إلى آخر، وحسب، بل وامتلك بعض منها تأثيراً ملموساً على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لدول برمتها. اجتمعت هذه المتغيرات معاً لتولد مؤسسات أممية، مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية، أو إقليمية، مثل الاتحاد الأوروبي ومنظمة الدول الآسيوية والجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي، أصبحت في حد ذاتها كيانات فوق الدولة القومية".
سلسلة المتغيرات هذه فرضت، حسب المحللين، "ما يشبه التآكل في الطبيعة التقليدية للدولة الحديثة، سواء من حيث رصيد القوة الذي تمتعت به طوال مئات من السنين، أو من حيث السلطات التي مارستها على الفرد والجماعة. ولكن الشيء الذي لا يبدو أنه تراجع أو وهن هو ذاك الارتباط السحري، الأقرب إلى الصلة الصوفية، بين الدولة والهوية، الدولة باعتبارها تجلي الأمة وحاضنتها وتعبيرها عن ذاتها، والأمة في رؤيتها الدائمة للدولة باعتبارها رمز وجودها وحارسة موقعها ودورها على مسرح العالم. بنت الدول هذه الرابطة، أو ارتكزت إليها أصلاً، ولكنها في كل الأحوال عملت على رعايتها وتأبيدها، في النشيد الوطني، في العلم، في المتحف، في المناهج المدرسية، في فريق كرة القدم، في الإذاعة والتلفزة، وفي طقوس السيادة والحكم على السواء".
بريكست البريطاني: إنذار مسبق
والمدهش في نتيجة استفتاء بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي، يعده المحللون كامنا في "التناقض البالغ بين مصالح غالبية من صوت لصالح نهاية العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، وفكرة الخروج نفسها". هؤلاء يلفتون إلى أنه طبقاً لخريطة توزيع الأصوات، فقد أعطت غالبية في اسكتلندا وإيرلندا الشمالية، ولندن الكبرى، ذات التكوين السكاني الكوزمبوليتيكي، أصواتها لصالح البقاء في الاتحاد؛ بينما أعطت غالبية إنكلترا الساحقة، وغالبية بسيطة في ويلز الصغيرة، أصواتها لصالح الخروج". وتبعا لذلك يستنتج المحللون، أن "الاستفتاء حسم بأصوات الكتلة الإنكليزية المركزية من المملكة المتحدة؛ وغالبية هؤلاء كانت من الطبقات العمالية والوسطى الصغيرة، سيما من أبناء المناطق التي تعتبر عادة معاقل لحزب العمال. ولأن الاتحاد الأوروبي تبنى أصلاً توجهات اجتماعية حاضنة فيما يتعلق بحقوق العمال، ساعات العمل، المساواة بين العاملين، الرعاية الصحية والاجتماعية، وملفات البيئة، فليس ثمة شك أن التزام بريطانيا بالاتحاد صب لصالح هذه الشرائح الاجتماعية. ما وصفه دعاة الخروج الكبار، ومعظمهم من المحافظين، المؤمنين باقتصاد السوق والنظام الرأسمالي الحر، بالقيود التي يضعها الاتحاد على بريطانيا، يتعلق في الحقيقة بالضوابط القانونية التي توفر بعض الحماية للطبقات العمالية والوسطى الصغيرة. فلماذا استمعت هذه الطبقات لخطاب خصومها الاجتماعيين وصوتت ضد مصالحها الذاتية؟".
المحللون يرون أن مشكلة الانفصال التي تعبر عن شعور قومي متنام وعاصف احيانا في الدولة القومية التي تحتضن قوميات متعددة، فتكمن في أن الخضوع لسياسات الهوية لا يمكن إيقافه عند حد. وقالوا إن بريطانيا ليست دولة القومية الإنكليزية وحسب، اذ سيكون لإيقاظ القوميات الأخرى عواقب، ربما سيصعب احتواؤها.
تاريخيا، استطاعت الأمم والشعوب التي طورت أسلوب الإنتاج الرأسمالي، أن تسبق غيرها من الشعوب والأمم في بناء دولتها الحديثة، بعد أن استكملت وحدتها القومية، وإقامة المؤسسات التمثيلية والتنفيذية والبيروقراطية التي شكلت دعائم وأسس هذه الدولة. ومن ثم فإن حياتها السياسية قد تطورت بالتوازي مع اتساع الدائرة المدنية، وانفصل لديها ما هو سياسي عن ما هو ديني، من خلال إضعاف السطوة الشمولية للكنيسة، وتحقيق نوع من الاستقلال النسبي للأصعدة المتراكمة السياسية، والثقافية، والاقتصادية. في حين اعترف المجتمع المدني الذي تشكّل كنقيض للدولة الإقطاعية وعلى أنقاضها بهذا الكيان وخضع له، على إنه نتاج طبيعي وممثل عضوي لأهدافه.
مخاوف أوروبية من تأثير الدومينو
المحللون يرون أن قوى مجتمعية عديدة في الاتحاد الأوروبي تخشى من أن انفصال أي إقليم من الأقاليم، وخصوصًا في غرب وشمال أوروبا، يعني ضربة قاصمة للمشروع الأوروبي؛ فالخشية هنا ليست من انفصال بضعة ملايين عن الدولة، إنما من "نفخ نار الانفصال في بقية الأنحاء". ويستشهد أصحاب تلك المقولة بيوغسلافيا السابقة وأوكرانيا وأوروبا الشرقية، ويسوقون فكرة "تأثير الدومينو" للتحذير من مآلات الأقاليم والشعوب في إيطاليا وبلجيكا وألمانيا واسكتلندا وفرنسا (في كورسيكا تحديدًا) التي ستتأثر بدعوات انفصالية تضعف قوة الاتحاد الأوروبي دوليًا، وتشغل مجتمعاته بمشكلات كان من المفترض أن تحلها دساتير دول المواطنة والديمقراطيات العريقة.
ويعتقد على نطاق واسع، أن المشاعر القومية المتصاعدة في عدد من مجتمعات القارة الأوروبية لم تتمكّن من وقفها كل تلك التحذيرات، ولا يرفع كثيرون هنا "نظرية المؤامرة"، بقدر ما يقدمون خطابًا يحذر من عودة أوروبا إلى حالة التشظي السابقة لتاريخ نشأة الاتحاد الأوروبي نفسه. على انه في أوروبا لا أحد يتوهم بأن منع الحكومات المركزية لاستفتاء هنا وهناك سيوقف تقدم الحركات الانفصالية، التي يمكن أن يستعاض عنها بالتصويت على أسس قومية في أي انتخابات عامة تشهدها المجتمعات الممنوعة من الاستفتاء على الانفصال، ما سيربك ويعمق الانقسام في المجتمعات.
فريق من المحللين يرى في تعزز مسألة المشاعر القومية في صفوف الحركات الانفصالية غطاء لمشكلات أعمق في توزيع الثروات واختلال تحمل الضرائب والفوائد الذاهبة إلى المراكز أكثر من الأقاليم، إذ ترى بعض القوى القومية أن مجتمعاتها تتحمل، أكثر من أقاليم أخرى، أعباء لم يجر توزيعها بشكل عادل. وتعبر الحالة الإيطالية شمالًا عن ذلك بشكل صريح أكثر من ما تجسّده حركات انفصالية أخرى في إسبانيا وبلجيكا.
وإضافة إلى إسبانيا، توجد في العديد من الدول الأوروبية مطالبات نزعات انفصالية، كما هو الحال في بريطانيا؛ حيث تلقى الفكرة رواجًا واسعًا في اسكتلندا وإيرلندا الشمالية، تصاعد بعد اتخاذ لندن قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي، العام الماضي.
وإذا كان أنصار استقلال اسكتلندا عن لندن فشلوا في استفتاء العام 2014، بحصولهم على نحو 45 % من الأصوات، إلا أنهم يسعون لتنظيم استفتاء جديد العام 2019، سيدخلوه بثقة أكبر، بعد إظهار استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي رفضًا كبيرًا لدى الاسكتلنديين للرؤية التي تبناها الإنجليز لمستقبل البلاد.
كما أدى ذلك "الطلاق" مع بروكسل إلى تعزيز أصوات المطالبين، في إيرلندا الشمالي، بالالتحاق بجمهورية إيرلندا، بعيدًا عن لندن والتاج الملكي البريطاني.
وفي فرنسا، يطالب قطاع واسع من سكان جزيرة كورسيكا، مسقط رأس "نابليون بونابرت" ورابع أكبر جزيرة في البحر الأبيض المتوسط، بالاستقلال عن حكم "الإليزيه".
وعلى الرغم من انتهاء النزاع المسلح الذي خاضه انفصاليون في الجزيرة، طوال النصف الثاني من القرن الماضي، إلا أن تصاعد النفس الانفصالي في أوروبا يخيف باريس من عودة تصدر تلك المطالبات في الجزيرة، وربما يطال غيرها من الجزر التابعة لها حول العالم.
ولا تقتصر تلك النزعات على الشطر الغربي من القارة، بل توجد العديد من القنابل الموقوتة في الشطر الشرقي منها، تهدد استقرار دول شهدت اضطرابات متلاحقة في العقود الأخيرة، وتسعى جاهدة للملمة الجراح، مثل البوسنة والهرسك، التي يطالب الصرب فيها باستقلال جمهوريتهم عن الإطار الفدرالي، ومولدوفا، التي أعلن إقليم ترانسنيستريا انفصاله عنها بالفعل بعد استقلال البلاد عن الاتحاد السوفييتي، العام 1990، دون اعتراف من الحكومة المركزية، وأغلب دول العالم.
هل تشهد أوروبا حروبا؟!
محللون كثر يرون أن الخوف الأوروبي من انعكاس قوة رياح الحركة الداعية للاستقلال والانفصال في الإقليم الإسباني على أقاليم أوروبية أخرى يفسر برود النخب السياسية والمجتمعية، وخصوصًا المؤيدة لبقاء التكتل الأوروبي دون تغيير للخرائط القومية. ذلك على الأقل ما يراه متابعو "البرود الأوروبي" تجاه دعوات الانفصال. ويرى قوميون أقلويون أوروبيون أن رياح كتالونيا الداعية للانفصال قد تجري في الاتجاه الذي تشتهيه مراكبهم.
أما المحللون المتشائمون فيخلصون إلى أن التاريخ يثبت على الدوام أن "الأنظمة العالمية لا بد أن تصل إلى نقطة الانهيار، لكن ذلك لطالما حدث بطريقة عنيفة، وسريعة، وغير متوقعة، فقد وصلت أوروبا في القرن الثامن عشر إلى قمة عصر التنوير، قبل أن تسقط القارة بأكملها في الحضيض، خلال حروب نابليون بونابورت".
أبرز دعوات الاستقلال الأوروبية غرينلاند:
جزيرة غرينلاند التي تحكمها الدنمارك، تنشط فيها دعوات لسياسيين وحركات اجتماعية من أجل إجراء مفاوضات لاستقلال الجزيرة الجليدية الأكبر شمالًا، وبعدد سكان لا يتجاوز 60 ألف نسمة، عدا عن آلاف انتقلوا للعيش في مدن جزر الدنمارك. ويبرز اسم فيتوس كوجاوكتسوق، من حزب "سيموت" في العاصمة نووق، الحزب الأكبر في الجزيرة، بدعواته المتواصلة لمنح الغرينلانديين حق تقرير مصيرهم.
شمال إيطاليا:
نسبة غير قليلة من الإيطاليين الشماليين يرون أن مناطفهم لا تنتمي لإيطاليا. وتنشط بين أولئك الشماليين حركات وأحزاب انفصالية، ولعل "رابطة الشمال" الأقوى بين الداعين لانفصال وسط وشمال إيطاليا لتشكيل دولة خاصة تحت اسم "بادانيا". وتشمل هذه المنطقة، وسط وشمال البلاد، حوالى نصف جغرافية إيطاليا، ويعيش فيها ما يقرب من 34 مليون إنسان.
بلجيكا:
حتى العام 1830 كانت بلجيكا جزءًا من هولندا، وتصارعت على أرضها عدد من القوى الأوروبية. أهل الجنوب البلجيكي لم يكن يعجبهم التحدث بالهولندية. ومنذ انفصال بلجيكا بالثورة على هولندا، بات المجتمع البلجيكي مقسمًا بين مجموعتين لغويتين: الهولندية والفرنسية، بالإضافة إلى أقلية بسيطة تتحدث الألمانية.
اسكتلندا:
منذ أن أصبحت اسكتلندا جزءًا من الوحدة بريطانيا العظمى في 1707، كانت هناك دعوات انفصالية وتحررية، وظلّت الحركات القومية الانفصالية تقوى وتضعف وفقًا للظروف الموضوعية. وإن كانت الدعوات إلى الاستفتاء تقسّم أيضًا المجتمع، بين معارض ومؤيد للاستقلال، فإن السنوات الأخيرة، وخصوصًا في أعقاب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تشعر الحركات الداعية للاستقلال بأن شوكتها تقوى، وأن الرياح تسير في الاتجاه الذي تشتهيه، رغم كل التهديدات البريطانية. تزايدت دعوات الاستفتاء في 2017، عبر التخطيط لاستفتاء كبير في 2021، أي بعيد الانتهاء من مفاوضات الخروج البريطاني الكلي من الاتحاد الأوروبي.
الباسك:
في إسبانيا التي تثير هذه الأيام اهتمام المجتمعات الأوروبية، تنشط حركات انفصاليي "أرض الباسك" على الحدود مع فرنسا. ويرى القوميون الباسكيون أنهم عانوا بشكل كبير تحت حكم "الديكتاتورية الفرانكوية". ومنذ أن اعتلى الديكتاتور فرانسيسكو فرانكو الحكم، حتى السبعينات من القرن الماضي، برزت الحركات القومية الثورية الداعية لانفصال الباسك عن إسبانيا. وبالرغم من أن حركة "إيتا" توقفت عن الكفاح المسلح لتحقيق الاستقلال، بعد "وقف إطلاق النار الدائم" في 2011، فإن دعوات الانفصال التام، بعد الحصول على حكم ذاتي وهيمنة القوميين على الحكومة المحلية، لم تتوقف. فتأييد الانفصال يجمع بين القوى والحركات المجتمعية والسياسية والنقابية والفكرية في أرض الباسك، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. ومنذ 2008، اشتد عود المطالبة بالانفصال التام إثر منع الحكومة المركزية والمحاكم في مدريد ذهاب ما يقارب مليوني باسكي لاستفتاء استرشادي حول الاستقلال، خشية من أن يولّد هذا الاستفتاء ما يسمى "الانفجار العظيم" للمجتمع الإسباني ككل، بوجود مشاعر انتماء جغرافي وقومي متزايدة.
جمهورية صربيا:
كيان ضمن فدرالية البوسنة والهرسك، وقد ظهرت إلى الوجود بعد انهيار يوغوسلافيا على أساس اتفاقية دايتون، ورغم مرور 20 عاما على هذه الاتفاقية، فإن صرب البوسنة، وهم معظم سكان الجمهورية، لا يملكون الحق في الاستقلال وإنشاء دولتهم المستقلة.
 إقليم الفلامند:
حصلت هذه المنطقة الناطقة بالهولندية فى شمال بلجيكا على العديد من الصلاحيات خلال العقود القليلة الماضية، كما أنها تهيمن على المشهد السياسي والاقتصادي فى بلجيكا، ونشأت القومية الفلمنكية بعد القرن التاسع عشر، لكنها لم تكن أبدا أقوى مما هي عليه اليوم. وقد ساهم ممثلها السياسي، التحالف الفلمنكي الجديد، فى تعزيز موقعها كأول حزب فى البلاد خلال الانتخابات التشريعية العام 2014، لتصبح حجر الزاوية فى الحكومة الفدرالية اليمينية الناطقة بالفرنسية برئاسة شارل ميشال، وهناك نية لإحياء المسيرة نحو الاستقلال الذاتي العام 2019.

التعليق