موفق ملكاوي

سلال الخسارات: الكتابة وحدود البوح

تم نشره في الجمعة 13 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:04 مـساءً


عند مرحلة معينة من حياتك، تجتاحك أسئلة كثيرة، غالبيتها يتمحور حول الإنجاز، وحول الحياة التي ارتضيت أن تسير في دروبها، مقارنا إياها بتلك التي وضعتها في مخيلتك ذات زمن، وقررت أنها الملائمة لك!
تستطيع أن تدّعي أن الالتواءات التي حدثت في المسار هي استدارات موضوعية تفرضها تعقيدات الحياة نفسها، فأنت لست الوحيد الذي يقرر مسار الأحداث، بل هناك أشخاص وأحداث وتأثيرات تفرض اشتراطاتها على المشهد، وتقترح مساراتها الخاصة التي لا تكون، بالضرورة، متساوقة مع ما تتشبث به في خيالك للمسار الذي تريد، وبالتالي للحياة التي اقترحتها سابقا.
هذا هو ما يمكن تسميته "التبرير اللذيذ"، الذي نستسلم له من أجل عدم تحميل أنفسنا أي مسؤولية عن الخراب الذي طال مساراتنا، وهو يؤشر كذلك على الاستسلام لتبرئة النفس من المسؤولية، والإصرار على أن خياراتنا كانت سليمة دائما، وأن مقدرتنا العقلية ومعارفنا كانت كافية لاتخاذ القرارات المناسبة في جميع الأوقات.
هو "وهم لذيذ" بالفعل، يجعلنا نستشعر على الدوام رضى كبيرا عن أنفسنا، فلا ندخل في جدالات المراجعات الذاتية ولا الندم، ولا تأنيب الضمير في حال كانت قراراتنا شملت بتأثيراتها غيرنا ممن هم على تماس بحياتنا.
في الغالب، تتمتع الكتابة العربية بهذا النوع من الحصانة، فهي تنطلق من تحديد "سلال الخسارات" غير أنها تدخل في جدل تبريري مفضوح لإزاحة المسؤولية الذاتية عن كاهل الشخص، وتحويلها إلى أي جهة أو شخص أو حدث آخر خارج سياق القدرة التأثيرية لنا، ما يمنحنا شعورا بالاطمئنان إلى "عبقريتنا" التي نحرص دائما على رسم صورة زاهية لها في دواخلنا، حتى إن نظر الآخرون لنا على أننا مجموعة من "الحمقى والمعاتيه".
غير أن ذلك لم يكن ملمحا عربيا فحسب، إذ نجد صداه عند كتاب غربيين عالميين، استطاعوا الاستفادة من "التبريرية العربية الأصيلة" لكي يقترحوا أنه ما من "سلال خسارات" إلا تلك التي صنعها الآخرون لهم.
إنها الكتابة التي تقترح معادلا موضوعيا لمقولة عزرا باوند "تتماسك بشكل جيد، حتى لو أن ملاحظاتي غير متماسكة"، فالحياة المعاصرة مليئة بأدوات النقد التي يمكن الاستفادة منها في إخضاع النصوص لسلطتها، وهي قادرة أيضا على تحديد مقدار الكذب والتجمّل. وباوند، نفسه، كان متجملا في الأصل، مع قائمة طويلة من الصفات و"المهام" التي أحاط نفسه بها، ما يعيدنا إلى رأي غيرترود شتاين فيه بكونه لا يخرج عن تصور "منظّر قرية"، بغض النظر عن جميع الهالات التي أحاطت به في بداية قرن كان يؤسس لرؤية جديدة للأدب والثقافة والمعرفة، مع قائمة قصيرة جدا من الأشخاص الذين تصدوا لهذه المهمة.
أجاثا كريستي تعمد إلى الأمر نفسه حين تبدأ التنظير لما أسماه النقاد "اندماج الدفء مع الخطر". وتتجاوز ذلك بإشارات إلى احتفاظها "بالذكريات الحزينة لتربيتها الهادئة بين مجموعة من الفلل القديمة ذات الطابع الفيكتوري"، غير أنها تتجاوز دائما الجروح التي سببها انهيار زواجها، وأثره في كتاباتها "الانتقامية".
دوريس ليسينغ لم تكن أكثر ذكاء، غير أنها لجأت إلى الرواية لتسجل فيها خساراتها، فكتبت "دفتر الملاحظات الذهبي"، حيث ادّعت أنها بدأت "باستكشاف حالات العقل، خصوصا بين النساء". لكن الرواية جاءت بمثابة تخطيط نادر يقتنص الصدق في الحياة الداخلية للبطلة آنا وولف، وهي شخصية نسائية معادلة لليسينغ تريد العيش بحرية. ما لم تقله ليسينغ في مذكراتها، وضعته على لسان بطلتها.
اليوم، نحن نعيش عالم "ما بعد النقد"، متجاوزين حدود "النظرية النقدية"؛ سواء كانت الشكلانية أو البنيوية أو الماركسية أو النسوية أو التفكيكية إلى ما بعد الاستعمارية وما بعدها. والقراءة ليست بمتابعة القصة أو الحوار أو الصور. هي كما يقترح ماثيو مولينز "عملية معقدة من حيث النص والسياق، ومن حيث الكلمات وعوالمها التي لا بد من فك شيفرتها كما الهيروغليفية".
لكن "الوهم اللذيذ" الذي يمارسه كتاب الشرق والغرب، يسقط دائما في ما يطلق عليه الفيلسوف بول ريكور "تأويل الشك". وهو مفهوم يتمحور حول مبدأ مهم، هو "القراءة المتشككة" التي يتوجب الإصرار فيها على أن المعنى الحقيقي للنص دائما يكمن في مكان خفي. أو أن ما لم نقله صراحة موجود وسط كم هائل من الثرثرة.

التعليق