كيف نفهم المنهاج الخفي؟؟

تم نشره في الأحد 15 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:07 مـساءً

لعلي لا أتجنى على الحقيقة إذا ادعيت أنني أول من كتب عن هذا الموضوع، أو على الأقل أكثر من كتب عنه. وها هو يحتل اليوم مكانة مهمة في الخطاب التربوي الدائر في المجتمع.
كنا و ما نزال ننسبه إلى أي قول أو فعل أو تصرف أو إشارة صادرة عن المعلم/ة عمداً أو سهواً أو شكلاً، بعيداً عن الدرس أو الموضوع، أي أن المنهاج الخفي كما يصفه المربون هو المنهاج أو الديناميات غير الرسمية، أو السرية، المخفية، أو الغامضة: الصفية والمدرسية التي تؤثر على التعلم جنباً إلى جنب عوامل أخرى تؤثر فيه كالأسرة والحياة في البيت، والطبقة الاجتماعية، والشخصية، والعمر، والرفاق والأصدقاء، والنشاطات المنهجية، واللامنهجية، والتفاعلات بين التلاميذ/التلميذات والمعلم/ة في غرفة الصف والمدرسة المخالفة للمنهاج/ الكتاب المقرر، أو المختلفة عنهما (Ornstein /Levine).
من ذلك - مثلاً – لجوء معلم/ة إلى وصف حقوق الإنسان أو الديمقراطية الواردة في الدرس بالكفر لأنها وافدة من الغرب الكافر، أو أنها لا تلزمنا ولا تصلح لنا.
قلنا في كل مرة أن التليمذ/ة قد يتعلّم من هذا المنهاج الخفي ويعلق في ذهنه أكثر مما يتعلم من المنهاج المقرر ويعلق بذهنه منه، وبخاصة إذا كان لهذا المعلم/ة أو ذاك هذه تأثير خاص على التلاميذ.
غير أن المنهاج الخفي أوسع مما تعلمنا أو علمنا أي انه لا يقتصر على ما هو شائع في الخطاب التربوي الأردني. إن بحثاً في أدبيات المناهج يكشف لنا عن ثلاثة أنواع – على الأقل- من المناهج الخفية وهي:
الأول: للمدرسة منهجها الخفي، ويتكون من الديناميات الاجتماعية والسيكولوجية المدرسية الخفية: كيف يجلس التلاميذ، وكيف ينصتون، وينتظرون، ويرفعون أيديهم، ويبرون أقلامهم، وكيف يقفون في صفوف، وكيف يغادرون المدرسة، وكيف يفرض النظام الإداري المدرسي عليهم، وعلى المعلمين والمعلمات التلقين مثلاً أو السكوت/ الهدوء في الصف بدلاً من الصف الحيوي والنشيط.
ويدخل في هذا المنهاج كذلك كيف يُقرع الجرس، وكيف تقطع التعليمات والميكروفون ومذكرات الإدارة عملية التعليم والتعليم. بل كيف يضيع بعض التلاميذ في شقوق المدرسة ويتدني تحصليهم نتيجة لذلك. وكيف تسيطر اللامبالاة على المناخ المدرسي نتيجة الإحساس بالانضباط المهمين على المدرسة.
يقوم المنحى في مثل هذه المدارس على المديح/ الثناء أي على الثواب والمكافآت، والعقاب من أجل تعديل سلوك التلاميذ والتلميذات، أي أن الضبط والربط هو المنهاج الخفي فيها.
الثاني: للتلاميذ منهجهم الخفي. ويتكون من الاستراتيجيات التي يتبناها التلاميذ أو التلميذات للتفوق بالحيلة أو بالخداع على معلميهم ومعلماتهم والتنبؤ بقراراتهم وسلوكهم واستيعابها أو إجهاضها. وحسب بعض البحوث يصبح التلاميذ/التلميذات الناجحون بهذا المنهج استراتجيين/ دهاة في لعبة هزيمة النظام، بعدما علمتهم التجربة أن الاحتيال أو الخداع أو عدم الأمانة يفيدان أو تفيد.
ولتحجيم هذا المنهج على المعلمين والمعلمات أن يكونوا أكثر حساسية لحاجات التلاميذ والتلميذات ولمشاعرهم. إن المدرسة التي تشجع الحرية الشخصية والتعلم الفريقي أو التعاوني بدلاً من تشجيع الفردية والتنافس أكثر مؤاتية للتعلّم، لأنها تجعل المناخ المدرسي غير مؤات للخداع والاحتيال أو عدم الأمانة.
الثالث: وللمعلمين والمعلمات منهجهم الخفي (المنهج الحساس): ويعني عدم مناقشة الموضوعات الحساسة في المدرسة لأنها غير واردة في المنهاج أو في الكتاب، أي غير معترف فيها بهما لتناقش في الصف والمدرسة لحساسيتها، أو لأن المعلمين والمعلمات لا يعتبرونها مهمة مثل موضوع الجنس، أو الهوية، أو الأقليات، أو الطوائف.
وبغياب هذه الموضوعات من الصف والمدرسة يعتبر التلاميذ والتلميذات ما يتعلمونه مجرد كلام، أو غير ذي صلة بالعالم الحقيقي، أو نوعاً من التعقيم لهم كيلا يفسدوا.
يلجأ كثير من المعلمين والمعلمات إلى إخماد هذا المنهج بحجة الالتزام بالمنهاج أو بالكتاب المدرسي المقرر، لكن المدرسة التي تركز على التعلّم بالفعل تسد الفجوة بين عالم المدرسة والعالم خارجها. ولسد الفجوة يجب أن تأخذ المدرسة السن (العمر) أو الصف، ومدى النضج عند التلاميذ والتلميذات بالاعتبار لمناقشة هذه الموضوعات الحساسة.

التعليق