عمالة الأطفال: أكتاف صغيرة تحمل عبئا أثقل منها

تم نشره في الثلاثاء 24 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً

هارون يحيى

في الوقت الذي يقضيه أقرانهم في التعلم في الفصول الدراسية، فإنهم يعملون..
وبينما يستمتع أقرانهم باللعب في فناء المدرسة، هم يعملون..
بل ويعملون حتى عندما يكون من الطبيعي والضروري وجودهم في أحضان أمهاتهم وآبائهم..
تفيد منظمة العمل الدولية (ILO) أن هناك 168 مليون طفل عامل، منهم 85 مليونًا، يعملون في وظائف خطيرة لا تناسب سنهم وقدراتهم، وتُعد المناطق الحدودية لآسيا والمحيط الهادئ وأفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى، من المناطق التي تضم أكبر عدد من العمال الأطفال، ويُعتبر قطاع الزراعة أكبر قطاع يعمل فيه الأطفال.
عمالة الأطفال ليست مجرد مشكلة تخص فقط البلدان غير النامية، مثلما يعتقد معظم الناس، بل هناك عمال أطفال حتى في الولايات المتحدة وأوروبا، لكن الفارق في هذه الحالة، أن الأطفال في البلدان المتقدمة، عادة ما يقومون بمهام جد خفيفة في مؤسسات عائلية لمساعدة الوالدين لفترة مؤقتة، ويعملون في الغالب في وظائف بسيطة لكسب القليل من المصروف خلال أيام العُطل، ويرى الخبراء أن مثل هذه الوظائف تسهم إسهامًا إيجابيًا في تنمية الأطفال وتزويدهم بمهارات وخبرات مختلفة.
بالمقابل، مثل هذا الوضع لا ينطبق على الأطفال الذين يعملون في المصانع المستغِلة للعمال، أو في الحقول، أو في المناجم لكسب لقمة العيش، تسُد رمقهم وتساعد في دخل أسرهم، بل على العكس من ذلك، فإن مثل هذه البيئات القاسية تحرم الأطفال من أن يعيشوا الحياة التي تليق بهم ويستحقونها، وتفرض عليهم شروط عمل غير ملائمة لهم تمامًا، وتمنعهم من التمتع بطفولتهم والالتحاق بالمدارس أسوة بأقرانهم، ومثل هذه الظروف المعيشية تقوض -وفقًا للخبراء- إمكانات الأطفال وتضر بنموهم البدني والعقلي، وتجعلهم يكبرون في غياب الحنان والعاطفة الطبيعية، نظرًا لابتعادهم غالبًا عن والديهم لفترات طويلة من الزمن، وعلاوة على ذلك، يكون نموهم الاجتماعي غير مكتمل بسبب عدم حصولهم على التعليم الأساسي الذي من شأنه أن يساهم في تسهيل الحياة لهم في المستقبل.
وتشير نتائج البحوث إلى أن السبب الرئيسي الذي يدفع الأطفال إلى سوق العمل، هو المساهمة في تعزيز دخل الأسرة، مع الإشارة إلى أن عدد الأطفال الذين يعملون على سداد ديون الأسرة مرتفع أيضًا، بل إن هناك حالات تلجأ فيها الأسر إلى حد بيع أطفالهم في نوع من أنواع الاسترقاق المعاصر من خلال التعاقد، حيث يضطر هؤلاء الأطفال عادة للعمل بمبلغ زهيد جدًا، هذا إذا حصلوا عليه أصلًا، وفي ظل ظروف صعبة للغاية.
إن أكبر خطر يهدد الأطفال هو الاستغلال في البغاء واستعمالهم في سوق المخدرات، ففي شرق آسيا والهند، يباع الأطفال إما مباشرة للاستغلال في البغاء أو يستخدمون في إنتاج المنشورات الإباحية، وفي شرق آسيا أيضا وأميركا اللاتينية وبعض أجزاء أفريقيا، يُستعمل الأطفال في إنتاج المخدرات غير المشروعة أو كوسطاء في توزيعها.
ورغم ما أشارت إليه منظمة العمل الدولية من انخفاض كبير في العدد الإجمالي للعمال الأطفال في جميع أنحاء العالم، فلا يزال مئات الملايين من الأطفال مجبرين على العمل غير المناسب بالنسبة لنموهم البدني والعقلي.
في واقع الأمر، لم يكن تعاظم الطلب على عمالة الأطفال سببه قلة القوى العاملة، بل يعود في الأساس للانخفاض الكبير في أجور الأطفال، وعدم منحهم في الغالب التأمين الاجتماعي، واستبعاد تقديمهم شكاوى بهذا الشأن أو التماس حقهم في الانتصاف في ظل ظروف عمل صعبة، ونظرًا لضعفهم -كونهم أطفالًا- يتعرضون لجميع أشكال الإكراه والإيذاء.
وفي ضوء جميع هذه المشاكل، كيف يمكننا حماية الأطفال، والحيلولة دون إجبارهم على القيام بوظائف تضر بهم في نهاية المطاف؟
إن أول ما يجب القيام به في هذا الصدد هو حث وإقناع أكبر عدد ممكن من البلدان على التوقيع على اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن تجنب عمل الأطفال، وفي الوقت نفسه، يتعين على الأمم المتحدة، التصدي بشدة ومعاقبة كل الانتهاكات المتعلقة بهذه المسألة في البلدان المعنية.
يمكن من جهة أخرى مساعدة الأسر من خلال تقديم الدعم المالي اللازم لتجنيبهم إلقاء أطفالهم في سوق العمل للمساهمة في اقتصاد الأسرة، ويمكن أيضًا إنشاء آليات الدعم الاجتماعي للإسكان والصحة والتغذية في الأماكن التي يعمل فيها الأطفال عمالًا زراعيين موسميين، وبالإضافة إلى ذلك، يقع على عاتق المدارس والمعلمين، تحمل المزيد من المسؤولية، من أجل الكشف عن الأطفال الذين يعملون، وتعزيز التواصل بين المعلمين والمؤسسات المسؤولة عن منع عمل الأطفال.
لكن بالنظر إلى انتشار مشكلة عمل الأطفال على نطاق واسع في البلدان الفقيرة أو البلدان التي تشارك في حروب أهلية، فليس من السهل بتاتًا القضاء نهائيًا على هذه المعضلة، حتى لو توفرت موارد كافية واتُخِذت جميع التدابير اللازمة، لذا تقع مسؤولية أكبر على عاتق المنظمات الدولية مثل اليونسكو ومنظمة العمل الدولية من أجل حل هذه المشكلة.
وثمة سبيل آخر يمكنه المساهمة في التصدي لهذه الآفة، يتمثل في وضع لوائح خاصة لمنع عمل الأطفال، في إطار التشريعات ذات الصلة وفرض عقوبات أشد خطورة ضد الجهات المنتهكة لحقوق الأطفال.
ومن المهم جدًا اتخاذ جميع الإجراءات الممكنة، الكفيلة بجعل العالم مكانًا لا يُجْبَر فيه الأطفال على العمل، لأنه طالما استمر العالم تمزقه الحروب ويسود فيه نظام الاستغلال، سيظل الأطفال دائمًا أكثر الفئات عرضة للاستغلال، ومن أجل الحيلولة دون ذلك، لا بد من أن نفهم أولًا المنابع الأيديولوجية للحروب والاستغلال، ثم بذل جهود أيديولوجية جادة للقضاء على هذه الأيديولوجيات الفاسدة التي تعبّد الطريق لمثل هذه الممارسات المنتهكة لحقوق الطفل الأساسية، وعندئذ يمكن للجميع رؤية تجسيد الحب والسلام في عالم يكون مأوى يتسع الجميع، وإلى أن يتحقق هذا المبتغى، يقع على عاتق كل بلد وكل مؤسسة وكل شخص مسؤولية اتخاذ التدابير اللازمة لوقف هذا النوع من الاستغلال.

التعليق